الجمعة، 15 أبريل 2011

my name is khan


 
"اسمي خان":رحلة نحو الحقيقة



تمهيد: السينما الهندية بين واقع النمطية ورياح التغيير..

كثيرا ما تعلق ذكر اسم السينما الهندية بالابتذال وبعدم التجديد في المواضيع,فمنذ دخول الأفلام الهندية في نمطية الغناء والحب والانتقام منذ سنوات الستينات,والمشاهد يجتر هذا النوع المتوحد من الأفلام,رغم أن هذه السينما حاولت في وقت معين من الأوقات خاصة في منتصف الستينات ان تبدل من جلدها بإضفاء قضايا كبرى على مواضيعها من قبيل السياسة والحريات العامة والتاريخ,محاولة لم تستمر طويلا إذ لم تلبث وان خابت في الثمانينات والتسعينات,وذلك بسبب دخول بارونات جديدة إلى عالم السينما بالهند جعلت من الفيلم الهندي فيلما تجاريا تحكمه السرعة في أبعاد ثلاثة بحيث يتم تصويره بسرعة, توزيعه بسرعة,ويتم نسيانه بسرعة,مما جعل السينما الهندية تغرق في بحر الإنتاج السريع الفارغ من كل قيمة فنية.

إلا أن بداية الألفية الثالثة حملت نوعا من التجديد في النمط السينمائي الهندي من خلال انفتاح المخرجين الهنود على عوالم إبداعية أخرى جعلت من الفيلم الهندي أكثر إشراقا,فقد لاحظنا منذ سنة 2001 إلى الآن تطورا ملحوظا للفيلم الهندي لا في اختيار مواضيعه التي صارت أكثر تنوعا,ولا في تقنيات التصوير والإخراج إلى درجة أن هناك أفلاما هندية مثل devdas,black,lagaan أذهلت المتتبع العالمي وجعلته يشيد بالتجربة الهندية التي صارت أكثر نضجا,وبالتالي فقد صار للفيلم الهندي نوع من الهيبة توجها حضوره في عدد من المهرجانات والملتقيات السينمائية العالمية.

من هذا المنطلق,كان فيلم my name is khan  واحدا من أكثر الأفلام الهندية انتظارا في الآونة الأخيرة,فرياح التجديد الذي وعد بها مخرجه karan johar على مستوى الموضوع والإخراج إضافة إلى جمع الفيلم لثنائي السينما الهندية المميز shah rukh khan  وkajol  ,أمور جعلت من الجمعة 12 فبراير 2010 أي يوم إصدار الفيلم,يوما استثنائيا في الهند وفي كثير من بقاع العالم التي تتابع بولييوود.

قصة الفيلم

ريزوان خان مسلم هندي يعاني من مرض نادر اسمه الإسبرجر, يهاجر من بلده من لأمريكا بعد وفاة أمه حيث يلتحق بأخيه ,هناك يتزوج من هندوسية مطلقة تدعى "مانديرا" بعد قصة حب قصيرة,لكنه يصطدم بتغير نظرة العالم له كمسلم بعد أحداث 11 سبتمبر,أكثر من ذلك اعتبرته زوجته مسئولا مباشرا عن مقتل ابنها الذي تم اغتياله على يد مجموعة أمريكية متطرفة بسبب لقبه المسلم,مما جعله يقرر القيام برحلة صعبة يحاول من خلالها مقابلة الرئيس الأمريكي لإخباره عن أن المسلم ليس إرهابيا من جهة,ومن جهة أخرى لكي تثق به زوجته وتقتنع بعدم مسؤوليته عن مقتل ابنها...


معالجة منصفة لعلاقة الإسلام بالآخر..

من الممكن أن نجد بعض التشابه في قصة الفيلم مع أفلام أخرى تناولت قضية الإرهاب وأحداث 11 سبتمبر كفيلم آخر هندي مميز في السنة الماضية اسمه "نيويورك",لكن "اسمي خان" يضمن عددا من الاختلافات التي تميزه عن أي فيلم آخر,فالرهان الذي حاول المخرج المبدع karan johar ومعه كاتبة السيناريوShibani Bathija إيصاله للمتلقي هو عدم الغوص عن من المسئول عن الإرهاب بقدر ما كان الرهان هو الحديث عن مكانة المسلم في المجتمعات الغربية بعد أحداث 11 سبتمبر,بعبارة أخرى الفيلم لم يحاول لا أن يحلل الإرهاب ولا أن يناقشه بقدر ما أراد الحديث للعالم عن أن الإنسان المسلم هو إنسان كباقي البشر ليس عليه دفع خطيئة بعض المتطرفين الذين يحاولون طمس معالم هذا الدين,الإنسان المسلم حسب ما رأينا في الفيلم لا يعترف لا بالانتماءات العرقية ولا بالتقاطعات الثقافية,بل هو إنسان يقسم الآخرين بمعيار الخير والشر,وليس أي شيء آخر,وهذا واضح من خلال وصية الأم لابنها ريزوان خان وعمله بهذه الوصية طوال أحداث الفيلم..

رحلة ريزوان خان في الفيلم للقاء الرئيس الأمريكي كانت رحلة نحو الحقيقة,رحلة ذهبت بنا كجمهور لإعادة اكتشاف ذواتنا ولإعادة إحياء علاقتنا بجانب اسمه الدين, وربما أن هذا الفيلم هو أكثر فيلم غير ناطق بالعربية كان محايدا وتحدث بكل ضمير إنساني عن ماهية الإسلام دون الغوص في المياه العكرة,رحلة ريزوان خان كانت رحلة لتوضيح معالم هذا الدين القيم,وللاحتفاء بالثقافة وبالأخلاق الإسلامية,فكلمات من قبيل "السلام عليكم,ان لله وإنا إليه راجعون وان شاء الله" كانت حاضرة طوال الفيلم إلى جانب حضور معالم الحضارة الإسلامية كالمسجد الإسلامي والموسيقى الروحية,وأكثر من ذلك عبر الفيلم عن لب الإسلام وهو التسامح والتعايش ولنا مثال على ذلك في تلك اللقطة التي كان يصلي فيها ريزوان خان بالطريقة الإسلامية وزوجته في الجانب الآخر من الغرفة تقوم بطقوسها الهندوسية,رغم أن هذا الزواج أثار جدلا كبيرا في الأوساط الإسلامية عن صحته وثبوته في الجانب التشريعي..

وجود الإسلام في الفيلم لم يكن بنوع من التعصب أو لأقل بنوع من الانغلاق الديني,بل العكس فوجود الدين الإسلامي أعطى نوعا من التناغم مع الأديان الأخرى الموجودة في الفيلم أي الهندوسية والمسيحية,ففي الظرفية الحالية صار لزاما على الإنسانية البحث عن الأشياء التي تقربنا أكثر من التي تفرقنا,وهذا ما أوضحه المخرج في الفيلم,فقيم عالمية من قبيل التضامن بين السود والبيض الذي ظهر أكثر في مشهد فيضانات جورجيا,ومن قبيل الحب الذي جمع البطلين,أعطت نوعا من التوحد في الخطاب الديني,وفي جعله موحدا بين البشرية جمعاء سواء أكان الدين إسلاميا أو مسيحيا أو هندوسيا أم...

اشتغال مكثف لعدد من المواضيع

وفي بعد آخر,حمل الفيلم نوعا من الانتقاد للسياسة الأمريكية,ففي وقت تفتخر فيه هذه الدولة بالديمقراطية وبضمان حقوق الإنسان,رأينا كيف أن أجهزتها عذبت إنسانا معاقا بتهمة الإرهاب بدون أي دليل,وكيف أنها استعملت عددا من الأساليب التعذيبية في حق سجين لم تثبت إدانته,رأينا أيضا كيف أنها تماطلت عن مساعدة ولاية جيورجيا في وقت الفيضان,ففي الوقت الذي تحاول فيه نشر الديمقراطية في العالم,يحثها الفيلم على الاهتمام أكثر بمحيطها الاجتماعي والقومي,وعلى احترام الآخر أيا كانت بشرته وأيا كان دينه,فمحاربة كل من يحاول نشرة ثقافة التمييز والتطرف ضرورة دعا إليها الفيلم,لان التطرف حسب ما شاهدنا في أحداث "اسمي خان"ليس حكرا على دين أو عرق معين,وكمثال على ذلك, فالمسئولين عن قتل ابن "مانديرا" كانوا من الأمريكيين المتعصبين,والدكتور فيصل رحمان كان مسلما متطرفا حاول تهييج مشاعر المسلمين,وبالتالي فنبذ التطرف عند جميع الأطراف ضرورة حاول الفيلم توضيحها..

في غنى السيناريو وتنوعه,يمكن أن نستكشف عددا من الثيمات التي تم تكثيفها في الفيلم,فثيمة الحب حاضرة من خلال العلاقة بين البطلين,في نوع يشبه الحب الذي لا يعتمد على المظاهر على اعتبار إعاقة البطل والتي لا تجعله مقبولا عند اغلب الفتيات,وهنا أتساءل قليلا عن عدم الإحاطة بكل جوانب العلاقة الغرامية التي جمعت الطرفين,فامرأة مطلقة وفاتنة في بلد كأمريكا لن يكون من اليسير عليها أن تقبل بالزواج من رجل يحمل إعاقة غريبة,لذلك فقد كان على الدافع الذي كان سببا في زواجهما أن يكون أكثر إقناعا,زد على ذلك أن المخرج لم يركز كثيرا على العلاقة بين ريزوان خان وابنه الجديد,بحيث أنها بقيت حبيسة عدد من التأويلات رغم أهميتها في سياق الحبكة الدرامية.

من الثيمات الأخرى الحاضرة في السيناريو اذكر ثيمة الكراهية التي شاهدناها في الفراق الذي تم في وسط الفيلم والذي شكل عقدة المنتصف التي تدور عليها مختلف أحداث الشق الثاني من الفيلم,وهنا يمكن أن يطرح سؤال حول قوة الدافع الذي دفع بريزوان خان إلى الرغبة بلقاء الرئيس,لان مجرد صراخ زوجته عليه في لحظة غضب ومطالبته بالرحيل لا يكفي للقيام بمخاطرة كبيرة لم يقم بها احد قبله!,ثيمة الموت كذلك كانت حاضرة وللصدفة أن من مات في الفيلم كانوا طفلين,ثيمة التضامن التي أشرت لها سابقا كانت هي الأخرى حاضرة,وثيمة قوة الإعلام وتأثيره على صناع القرار بالنظر إلى أن قناة ال bbc هي من أوصلت رغبة البطل بلقاء الرئيس إلى عموم الشارع..

بما أن ريزوان خان كان الشخصية المهيمنة على الفيلم,فحوارات هذه الشخصية كانت ممتازة إلى ابعد الحدود,حوارات غلب عليها طابع البساطة لطبيعة الشخصية,لكنها حملت عمقا كبيرا في تشخيص الأحداث,فمثلا قولته في بداية الفيلم”أصلحت العديد من الأشياء,لكنني لم استطع أن أصلح والدي حين انكسر“ أو مقولته في وسط الفيلم ”لم يعد التقسيم الميلادي هو الذي يذكر,بل صار هناك تقسيم ما قبل وما بعد 11 سبتمبر“,وغيرها من المقولات المميزة التي رافقت هذه الشخصية طوال الفيلم,دون نسيان أن حوارات باقي الشخوص ساعدت الإخراج في بناء صورة قوية للأحداث,خاصة تلك الجملة الرائعة التي قالتها المدرسة المحتجبة في الفصل الدراسي ”حجابي ليس فقط جزءا من ثقافتي ومعتقداتي,حجابي هو وجودي“.

الإبداع في الإخراج

ليس هذا أول فيلم أراه لهذا المخرج الهندي,فقد سابق وان شاهدت له اغلب أفلامه السابقة,لذلك فنمطه الجمالي كان حاضرا في هذا الفيلم,من عاداته الإخراجية الواضحة في الفيلم اذكر تكسير الزمن :الفيلم بدﺃ تقريبا من الوسط حين تعرض ريزوان خان للتوقيف في احد المطارات بسبب اسمه المسلم,لنجد أنفسنا في طريق سبر مذكرات رجل,نمط حكائي اعتمد من خلاله المخرج على ضمان عنصر الراوي المشارك في الأحداث,كأن الفيلم عبارة عن قصة يرويها الراوي,لكنه لا يعرف نهايتها لأنه مشارك فيها ولان القصة تقع أكثر في الزمن الحاضر,فلو تأملنا الزمن الكامن وراء القصة,فسنجده زمنا متنوعا بدءا بالماضي البعيد أي طفولة ريزوان خان وما رافقها من أحداث,لنصل إلى الماضي القريب,حين التقى بزوجته في أمريكا وكيف تزوجا,وفي نهاية المطاف نعود إلى الزمن الحاضر الذي تميز بكثافته داخل المنظور القصصي للفيلم ما دامت أكثر من نصف الأحداث تقع فيه,عبر هذه الخطوط الثلاثة المتداخلة بتقنية سرد مميزة تم الانتقال في الفيلم برشاقة شديدة لم تخلق أي التباس في ذهن المشاهد,مع ضرورة ذكر أن هذا التنوع في الأزمنة رافقه تنوع آخر في الأمكنة,لذلك فطوال الفيلم نكتشف فضاءات جديدة,سواء في الهند بأحيائها الشعبية الضيقة,أم أمريكا ببناياتها الشاهقة ومطاراتها وفيضاناتها,فضاءات أثثت الفيلم وأعطته تنوعا رافق تنوع مضامينه...

كعادة karan johar,تحركات الكاميرا ابتكرت نوعا من التقاط اللحظات المميزة,من المشاهد المميزة في الفيلم التي كانت لمسة الإبداع فيها واضحة,اذكر مشهد الفراق بين مانديرا و ريزوان خان الذي تم ليلا تحت الأضواء الكاشفة,ولحظة النوستالجيا التي مرت به وهو في المستشفى,لكن يبقى أجمل المشاهد في الفيلم حسب نظري المتواضع هي مشاهد الحماس الجماهيري الكبير وتفاعله مع قضية ريزوان خان ورغبته بلقاء الرئيس الأمريكي.

في مقابل هذه المشاهد المميزة,كانت هناك بعض الهفوات في النصف الثاني من الفيلم,منها ان المخرج لم يركز كثيرا على مرض البطل فصارت للفيلم وتيرة متسارعة من الأحداث تناست بعض التفاصيل الصغيرة,إضافة إلى ان نهاية الفيلم يبدو وأنها مطبوخة على عجل بحيث ان لقاء ريزوان خان بالرئيس الأمريكي تم بطريقة تحتاج إلى كثير من التناغم والتجانس.

في ثنايا الفيلم لامسنا وجود موسيقى روحية ممتزجة بعبق الطرب الباكستاني,سواء أكانت تلك الموسيقى التصويرية التي واكبت الأحداث وكان أهمها مقطوعة khan theme ,أو الأغاني التي رافقت الفيلم بانسيابية مع مدته,فلم نحس أثناء مشاهدة الفيلم بإقحام الأغاني لمجرد الحفاظ على عادات الفيلم الهندي,بل أن الأغاني رافقت في بناء الأحداث وأعطت نوعا جديدا من التعامل مع الموسيقى بحيث أن الممثلين لم يمزجوا بين التمثيل والغناء في الفيلم عكس جل أفلام بولييوود حيث يتحول البطل إلى مطرب وراقص,لذلك أرى أن المقطوعات الغنائية كانت في عاملا أساسيا في تنويع لغة الفيلم وجعلها تتراوح بين الكلمات المباشرة والترانيم الروحية التي تدل على عدد من القيم العميقة.

ريزوان خان أكثر من مجرد شخصية

عندما نتحدث عن أي عمل سينمائي,لا نغفل شيئا بغاية الأهمية وهو أداء الممثلين,بحيث أن هذا العامل يؤثر بشكل كبير في عملية نجاح فيلم ما,وهنا أجد نفسي مترددا في هذه الفقرة,كيف سأصف الأداء القوي والمثير لshah rukh khan ؟تقمص تام لشخصية إنسان مصاب بمرض نادر,شخصية تحار أن تصنفها هل هي من ذوي الاحتياجات الخاصة؟أم أنها شخصية ذكية وعبقرية؟,هل ريزوان خان شخص معاق ؟أم انه شخص غير عادي؟؟,هل هو إنسان ساذج ؟أم انه بساطته جعلت منه شخصا مميزا؟؟,أسئلة متشعبة تحتمل أكثر من جواب واحد,فshah rukh khan قدم لنا شخصية مركبة تحتاج لكثير من التفسيرات ولكثير من الإجابات,تقمص تام لشخصية معقدة وأداء باهر يجعل أي متتبع للفيلم يرفع القبعة لهذا الممثل المميز الذي من حق الهند أن تفخر أنها أنجبت مثله, وبالتالي فانا أرى من منظاري الخاص ان شخصية ريزوان خان تستحق ان تنقش بذهب في تاريخ السينما الهندية..

تميز شخصية ريزوان خان كان لها اثر كبير في نجاح الفيلم,في المقابل لم تظهر شخصية "مانديرا" التي أدتها الممثلة kajol بنفس التميز,فرغم ان هذه الأخيرة تتربع على عرش التمثيل بالهند منذ زمن إلا ان أداءها في الفيلم لم يكن بالاستثنائي وطبعه كثير من التصنع الذي ظهر جليا في لقطة بكائها على ابنها..
باقي الشخصيات كان أدائها مقبولا ونالت استحسان اغلب المتتبعين,خاصة ذلك الطفل الذي أدى دور ريزوان خان في طفولته,بحيث لم نجد أي فرق في حركات الاثنين فكأن الاثنين إنسان واحد..


أين نحن من هذا الفيلم؟

"اسمي خان" ليس بذلك الفيلم الذي قد يحقق أرباحا خيالية في صالات السينما على اعتبار جدية موضوعه وخلوه تقريبا من المحمول التجاري,لكن من الناحية الفنية والفكرية أرى انه يستحق كل الإشادة والتقدير رغم وجود بعض الثغرات خاصة على مستوى السيناريو,لأنه استطاع إلى حد بعيد التوفق في الحديث عن الإسلام دون إسقاطات سياسية أو مصالح خاصة,وفي هذا الجانب يمكن أن نتساءل جميعا عن أفلامنا العربية ودورها التاريخي في الدفاع عن هويتنا وعن قيمنا الحضارية,فللأسف لا زال الكثير من أصحاب الفن السابع في البلدان العربية يتجهون إلى مواضيع اقل فنيا وأفقر فكريا مما شاهدناه في هذا الفيلم الهندي,فجميل أن يتحدث عنا الآخرون وان يحاولوا التعريف بقضية تهم المسلمين بالمقام الأول,لكن الأجمل سيكون بلا شك أن نتحدث نحن عن أنفسنا على اعتبار أن المصالحة مع الذات هي المنطلق نحو المصالحة مع الآخر,لذلك فانا أرى من منظوري المتواضع أن اكبر نجاح ل my name is khan هو بلا شك إحياءه لسؤال التصالح مع الذات والنظر في مرآة الواقع بكل حيادية وبكل موضوعية .


Raajneeti

Raajneeti:الطريقة الأمثل لتتحول من سياسي إلى مجرم



دأبت السينما الهندية منذ عقود على اقتحام المجال السياسي وتقديم افلام تتحدث عن المخاض الديمقراطي الذي تعيشه الهند,لذلك لم يكن فيلم "راجنيتي"سوى امتداد لهذه الجرأة الكبيرة التي اعتادت بوليوود على الخوض فيها,وهذا الأمر يعتبر علامة مميزة للسينما الهندية يجعلها تتفرد بها,فحتى السينما الأمريكية صاحبة الأعراف والتقاليد السينمائية الكبيرة لا تستطيع اقتحام المجال السياسي بهذه القوة على الأقل في الآونة الأخيرة كما فعل فيلم"راجنيتي"..

فيلم"راجنيتي"جمع بين الإخراج القوي والمميز للمخرج ,والسيناريو المكتوب بعناية فائقة,إلى جانب أداء تمثيلي جمع بين عدد من أهم الممثلين في الهند حاليا,وهو بهذه التوليفة الثلاثية رشح نفسه فوق العادة للدخول في مغمار السباق على أحسن فيلم هندي لسنة 2010.

قصة الفيلم تتمحور حول عالم الانتخابات,فهو يصور لنا ماهية الصراع السياسي داخل الأحزاب بحيث يتصارع الجميع على ريادة الحزب,فرغم أن اغلب المرشحين من عائلة واحدة,وينتمون لحزب واحد,إلا أن الصراعات تمزقهم,فما إن يترشح شخص ما,حتى يحل مكانه شخص آخر,وفي هذه البلبلة السياسية,يريد المخرج ان يبين للمشاهد ان أزمة السياسة ليست هي التراشق بين الأحزاب,ولكن هي أصلا مسالة عدم تماسك الحزب ذاته,فهو يعيش صراعات داخلية كبيرة تجعل تأثيره السياسي اقل بكثير من المتوقع..

سيناريو الفيلم,جمع بين منبعين,منبع هندي خالص من فيلم هندي قديم,ومنبع هوليوودي من رائعة كوبولا "العراب",وهو بهذا,أي "راجنيتي" استطاع ان يخلق لنفسه تفردا كبيرا ربما يجعله واحدا من أقوى الافلام السياسية التي قدمت على مدار التاريخ الهندي,هذا التفرد ساهم فيه بشكل كبير الطاقم التمثيلي,فأبطال الفيلم تفوقوا ولو بشكل متفاوت في تقمص شخصياتهم بالشكل المنتظر,"رانبير كابور" استطاع الى حد بعيد ان يقدم صورة ذلك الطالب الذي يتحول بين عشية وضحاها إلى سياسي من درجة كبيرة,رغم انني أراه متأثرا بشكل كبير بشخصية آل باتشينو في فيلم "العراب"..

"كاترينا كايف" أداؤها كان عاديا ولا يستحق كثيرا من الكلام,نفس الشيء ينطبق على "ارجون رامبال "الذي سجنه المخرج في شخصية صعبة لكنه حاول تقمصها,"اجاي ديفجان "اظهر خبرته الطويلة في التمثيل بدور قوي وهادئ,نفس الشيء ينطبق على "مانوج باجباج",اما "نانا باتيكار" فانا أراه نجم الفيلم بكل امتياز,أداء قوي ورائع للغاية,فشخصيته كمستشار كانت شخصية مميزة ورائعة للغاية,بالتالي فقد كان أكثر من اقنع في الفيلم ككل..

بعد كل هذا المديح للفيلم,أجد نفسي مضطرا للحديث عن بعض النقاط السلبية في الفيلم,فالإشادة الكبيرة التي تلقاها هذا الفيلم,جعلني أشاهده بعين مترقبة متفحصة لأجد انه يحمل في بذوره بعض الأخطاء القاتلة التي أثرت بشكل كبير على السياق العام للفيلم,هذه الأخطاء يمكن ان ألخصها بشكل سريع في خطأين:

الأول هو كثرة الدراما في الفيلم,فالمتتبع للفيلم يحس ان الفيلم تم ضغطه بعدد كبير من الأحداث المتقاربة,كما لو ان هذه الأحداث تمت كتابتها في الأول من اجل مسلسل تلفزي من 50 حلقة,فالمشاهد يجد نفسه ضائعا في تتبع الأحداث وفي التعرف على الشخصيات و سبر أغوارها,بحيث ان كثرة الأحداث جعلت من الشخصيات تظهر وتختفي بسرعة,زد على ذلك ان هذه الأحداث كان من الممكن تقليصها واستبعاد بعض الأمور التي أطالت الفيلم فقط,ومنها قصة الابن"سوراج" الذي هو في الأصل لبت للعائلة الحاكمة,هذا الحدث لم يؤثر لا من قريب ولا من بعيد على حبكة الفيلم وبالتالي كان من الأحسن استبعاده,هذا فضلا عن ذلك التغير المتلاحق في زعامة الحزب,والذي كان يمر بشكل سريع للغاية مغفلا ان هذا الأمر يؤثر بشكل سيئ على حبكة الفيلم.

الخطأ الثاني والذي أراه كبيرا,هو الأثر النفسي الذي يتركه الفيلم في نفسية المشاهد,خاصة المشاهد الذي لا يعيش في الهند,فللأسف,رسم الفيلم صورة سيئة للغاية عن السياسة في الهند,وجعلها قائمة على القتل والإبادة,فالمرشحون للرئاسة لا يتوانون عن قتل كل من يقف في طريقهم حتى ولو كان الأمر يتعلق بعائلتهم,فعلا,اعترف ان الانتخابات الرئاسية كثيرا ما تعرف مثل هذه الأحداث,لكن ان يتم تجسيدها بهذا الشكل في السينما,بحيث يكون القتل وسيلة شرعية للوصول الى زعامة بلد هندي,لأمر غريب يضر بسمعة هذا البلد الذي يعد من أكثر البلدان ديمقراطية في العالم,والمشكلة الكبرى في الفيلم,ان المرأة التي تم انتخابها لتكون رئيسة وزراء البلد,لا تفقه شيئا في السياسة,وتم ترشيحها بين ليلة وضحاها,وهذا أمر مؤسف على اعتبار إنني كنت انتظر من النهاية ان تكون أكثر أملا وأكثر إشراقا,لكنها كانت نهاية سريالية هدمت الكثير من حبكة الفيلم وزاد من سريالية هذه النهاية مشهد الاكشن النهائي الذي لم يكن متقنا وشابته العديد من الأخطاء..

الفيلم صور الشعب الهندي كذلك الشعب الذي تقول له كن فيكون,يصوت في البداية على هذا الشخص,ثم يصوت لشخص آخر,لقد تم تصوير الشعب الهندي شعبا سخيفا يمكنك ان تلعب به كما تشاء بحيث انه لا يأبه لا بالتغيرات المفاجئة في الأحزاب ولا بتلك الاغتيالات التي تحدث دون حسيب ولا رقيب,فالمفروض في بلد كالهند به استقلالية القضاء ان يتم عمل تحقيق في كثرة الاغتيالات التي تحدث,وليس ان يتم التغاضي عنها,بل وشرعنتها كما رأينا في الفيلم..

المشهد النهائي,أي مشهد"سمار" وهو يرحل بالطائرة ليكمل دراسته وليعتني بأم حبيبته الايرلندية السابقة,أثار حفيظتي بشكل لا يوصف,كيف يمكن لشخص تورط في عدد من عمليات القتل ان ينسى كل هذا ويذهب لإكمال دراسته كان شيئا لم يكن؟فعندما تدخل ميدان القذارة,يستحيل عليك بهذه السهولة ان تخرج منه,وهاذ هو الأمر الذي شاهدناه في "العراب" ولم نشاهده في "راجنيتي",رغم ان الفيلم الأمريكي تحدث عن المافيا التي يعد القتل أمرا عاديا لديها,عكس الميدان السياسي وخاصة في هذه الآونة الحالية وفي بلد متطور كالهند..

الأجمل في السينما هو الهدف والرسالة النبيلة التي يريد الفيلم تقديمها,للأسف "راجنيتي" لم يقدم هذه الرسالة وظهر الأمر كأنه فيلم وثائقي عن الانتخابات في الفيلم,فمثلا فيلم "اسمي خان" له رسالة نبيلة وهو تبليغ العالم ان الإرهاب لا دين له,ونفس الشيء ينطبق على "الحمقى الثلاثة" الذي تحدث عن التوجيه الدراسي,في حين ان "راجنيتي" قدم لنا الهند على أنها بلد متناقض لا شرعية فيها لأية انتخابات وهو طرح مغلوط لأنه يضر الهند أكثر مما يفيدها..

من كل هذا وذاك,وكي لا أطيل,أقول ان فيلم "راجنيتي"واحد من أقوى افلام السنة,به عدد من المقومات المتميزة,ويحمل في طياته متعة سينمائية كبيرة,لكن الأخطاء التي حملها في ثناياه تجعلني أسقطه بسرعة من ذاكرتي السينمائية,ليكون في نهاية الأمر مجرد فيلم "جميل" استمتعت بمشاهدته يوما ما بتقييم 6.5 على 10 .

Kites

Kites ..متعة بصرية بدون طعم..
 
 
                                                                         
 
لا يشك احد في أن هذا الفيلم يعتبر من اكثر الأفلام انتظارا في سنة 2010,وذلك لعدة اعتبارات ربما يبقى أهمها وجود هريتيك روشان داخل ثناياه وما يحتله هذا الممثل من مكانة لدى الجمهور الهندي على اعتبار نجاح اغلب أفلامه السابقة وآخرها" جودها اكبر" الفيلم الذي التهم جوائز سنة 2008.
 
وربما أن الوضع مختلف قليلا بالنسبة لي,صحيح أن هذا الممثل دفعني إلى مشاهدة الفيلم,لكن الدافع الأكبر كان هو وجود المخرج anurag basu  الذي اعتبره مخرجا مميزا في بوليوود,ففيلم مثل gangster   الذي أخرجه سنة 2006,يعد واحدا من أقوى أفلام تلك السنة ومن أهم أفلام العقد,لذلك كان تحميلي للفيلم ومشاهدته نابعا أكثر من هذا العامل.
 
ككل مشاهد للفيلم,أثرت في تلك النهاية الحزينة والممتازة,الفيلم ينتهي بموت البطلين,بعد قصة حب قصيرة بينهما,لكن هذا الحزن لم يلبث وان اختفى بعد 5 دقائق من نهاية الفيلم وانا استرجع أحداثه أولا بأول,لأخرج بخلاصة أن الفيلم مخصص فقط لمتعة بصرية في حدود الساعتين ولا شيء  منه يستحق  أن يبقى في الذاكرة..
 
اكبر مشكل أوقع فيه الفيلم نفسه,هو قيامه على سيناريو اقل ما يقال عنه انه سيناريو متواضع,وبإيجاز نستعرضه,هريتيك روشان يعيش في لاس فيكاس,تجمعه علاقة خطبة بفتاة هندية غنية,لا يريد منها سوى مالها,أخ هذه الفتاة تجمعه هو الأخر علاقة خطبة بفتاة مكسيكية هي البطلة باربارا موري,هذه الأخيرة تسقط في الحب هي وهريتيك,يهربان,لكن في النهاية يقعان في قبضة من يتبعهما,باربارا تضحي بنفسها,وبعد ان اكتشف هريتيك الأمر بعد مرور مدة طويلة,ينتحر هو الآخر..
 
بكل صراحة,فالسيناريو لم يكن بحجم فيلم انتظره الجميع بهذا الشوق,فلكي تنجز فيلما ممتازا,عليك باختيار سيناريو قوي وليس سيناريو شاهدناه عشرات المرات في مختلف المدارس السينمائية,وفي رأيي المتواضع ان اختيار السيناريو لم يكن موفقا وكان هو الحجرة العثرة التي وقع فيها الفيلم,فان يهرب عاشقين بتلك الطريقة يلزمهما دافع قوي وليس حبا قائما على المظاهر,فهريتيك روشان لم يقع في حبها في اليوم الذي أتت فيه من المكسيك بما أنها كانت إنسانة عادية,لكنه أحبها فقط عندما تجملت ولبست اللباس الغالي بعد علاقتها بالرجل الغني,أيضا لا تكفي ليلة واحدة لحب بتلك القوة,زد على ذلك إن عائق اللغة لم يقع اسثتماره بشكل مميز في الفيلم..
 
مخرج الفيلم anurag basu  حاول تحسين خلل السيناريو,وذلك بمزجه بين الأزمنة في الفيلم كما هي عادته,كما قدم بعض اللمحات الإخراجية المميزة خاصة في المشهد النهائي الذي يبكي فيه هريتيك وهو يتذكر كيف ماتت حبيبته,لكن الإخراج هو الآخر لم يكن تحفة او رائعة,بل كان مستحسنا وشابته كثير من الأخطاء ومن بينها أخطاء الاكشن,فالبوليس في الفيلم غبي ويكفي البطل بعض المقالب التافهة لكي يضلله,كذلك مشهد الشاحنة التي تحمل السيارات,فأي سائق لشاحنة ما سيتوقف بعد سماع تلك الجلبة وبعد سقوط السيارات التي يحملها,لكن في الفيلم استمر السائق في السياقة,دون نسيان مشهد الاكشن الختامي حيث وقف هريتيك برشاشه مقابلا لأكثر من 20 فردا,ورغم انه يقف في مرماهم,ويمسك البندقية بطريقة متراخية,الا انه أوقعهم جميعا ولم تلمسه أية رصاصة..
 
أداء الممثلين كان عاديا,لم نرى ذلك الأداء الخلاب,"باربارا موري" قدمت شخصية لا باس بها,اما "هريتيك" فبكل صراحة تحس انه لم يلبس دوره كما يجب,صحيح انه وسيم وصحيح انه يرقص بشكل أسطوري لكن هذا ليس كافيا لتكون ممثلا في فيلم ما,أما "كانكانا" فقد حصرها المخرج في دور صغير حد من قدراتها الإبداعية..
عموما,الفيلم ليس كارثيا الى درجة كبيرة,فمشاهدته تعطي نوعا من المتعة للمشاهد,لكن اعتقد ان السينما الهندية عليها ان تبتعد عن هكذا أفلام,لان الخط التصاعدي الذي رسمته أفلام مثل الحمقى الثلاثة,اسمي خان,جودها اكبر وغيرها,يحتاج الى أفلام تكمله وليس أفلاما تعيده إلى نقطة الصفر,لذلك لن تكون مشاهدتي لفيلم kites سوى ساعتين مضتا وسقطتا في أعماق النسيان..ذ
 
من كل هذا وذاك,تقييمي للفيلم لن يزيد عن تقييم موقع ال imdb   العالمي الذي أعطى للفيلم تقييم 5.5 على 10.
 
ومعذرة على الإطالة.

Tum mile

Tum mile..لوحة فنية خانها السيناريو
من الأمور التي قد تسبب لك صدمة صغيرة أثناء مشاهدة فيلم ما,هي ان تسعى لمشاهدته وأنت تعتقد انه سوف يكون كذا وكذا,لكنك ما إن تجلس له لاكتشافه ومع توالى الدقائق تكتشف أن الفيلم يحمل أفكارا أخرى بعيدة عن توقعاتك,مما يجعلك في صدمة قد تؤدي بك إلى ترك مقعدك في صالة العرض والخروج حانقا..

لن أقول ان هذا بالضبط ما وقع لي مع هذا الفيلم,لكنني احمل جزءا من مسؤولية فشل الفيلم في شباك التذاكر الى اللذين قاموا بالدعاية للفيلم,فعلى امتداد شهر قامت شركة الإنتاج  بإعداد صور وفيديوهات تبين على أن الفيلم يحكي عن فيضانات مومباي وبأنه فيلم واقعي يحكي معاناة الشعب الهندي مع فيضانات كبيرة اجتاحت مومباي ذات مساء,هذه الدعاية المسبقة جعلت الناس تتلهف لمشاهدة هذا الفيلم,وما ان تأتى لها ذلك حتى صدمت بان فيلمها الموعود لا يحمل سوى القليل من الماء والكثير من الحب.

فيلم tum mile  واحد من أكثر الأفلام انتظارا لهذه السنة,لكونه يحمل اسمان متميزان في عالم التمثيل,هما عمران هاشمي صاحب رائعة awarapan وسهى علي خان صاحبة الأداء الخيالي في mumbai meri jaan,ولكون الشركة المنتجة هي شركة بهات المعروفة بانتاجاتها القوية,والحق يقال ان البطلين قاما بما عليهما بل وأكثر من ذلك أرى ان ثنائي عمران هاشمي وسها علي خان أحسن ثنائي هذه السنة,فالتماهي بينهما والكيمياء اللذان أظهراه في دوريهما يجعلنا نتأسف على ضياع هذا المجهود في فيلم كان السيناريو أكثر مطباته واهم العوامل التي جعلت من الفيلم يمر مرور الكرام في شباك التذاكر بدون أي ضجيج يذكر..

قصة الفيلم تحكي عن عشيقين التقيا بالصدفة في مدينة كيب تاون,فعمران رسام هاوي يحاول إثبات ذاته,اما سهى فهي مصورة محترفة,بعد قصة حب جميلة تبدأ المشاكل بينهما نتيجة المشاكل المالية لعمران,تنتهي قصة حبهما في كيب تاون بالفراق بعدما قرر عمران الهجرة الى سيدني,بعد 8 سنوات,يلتقيان مجددا على متن طائرة ذاهبة الى مومباي,وهناك يعود الحب بينهما أثناء محاولتهما الهروب من فيضان جامح قضى على احد أصدقاء عمران.

قصة الفيلم تبدوا قصة مميزة نظرا لكونها يتداخل فيها الواقعي بالرومانس,وحبذا لو كان السيناريو بنفس الكفاءة,لكنه كان خارجا على النص,فان أحصينا عدد المشاهد التي تظهر فيها الفيضانات لن نجدها تتجاوز 20 دقيقة,اما قصة الحب فقد احتلت الساعتين,هذا التوازن الفاشل بين عملية الحب وعملية الفيضان كان سببا في إفقاد الفيلم حبكته الدرامية,لان الفيلم يحمل ثيمتين عميقتين استلزما نوع من المعالجة الدقيقة, فالفيضان والحب استوجبا عملية مراوحة تظهرهما كنوعين ممتزجان مع أحداث الفيلم,فمثلا كان أحسن لو قدم المخرج الحب في النصف الاول من الفيلم وقدم الفيضان في النصف الثني,لكنه فضل إضفاء نوع من عدم التوازن في حبكة الفيلم,وزاد من سوء البناء الرامي  عملية دخول الفلاش باك الى خيط أحداث الفيلم,فلا يعقل انه في كل لحظة يذهب المخرج الى الماضي ويعود الى الحاضر فقط لكي يذكرنا بواقعة بسيطة وقعت بين البطلين,هذه العودة المتكررة إلى الماضي أضفت نوعا من التوتر على المشاهد الذي كان عليه بذل جهد مضاف للامساك بخيوط الفيلم.

أعجبني احد التعاليق في موقع النقاد العالمي,وهو أن ابسط ملخص لهذا الفيلم هو البطلان يغرقان في الحب بدل الغرق في فيضانات مومباي,وبالفعل هذا ما نجده في الفيلم,فعلى امتداد ساعتين شاهدنا قصة حب بين عمران وسها لها ما لها وعليها ما عليها,قصة حب تميزت بالبوهيمية وبذلك الحب القوي الجامح المتحرر من الضوابط الاجتماعية,وربما أن هذا النوع من الحب ما زال جديدا على عقلية المشاهد الهندي,رغم انه يبين وبجلاء الطبيعة الإنسانية بدون ماكياج او بهارات من قبيل الزواج والشرف وغيرها من العبارات الشمولية التي نجدها في عدد من الأفلام الهندية التي تحاول إرضاء المشاهد التقليدي,لذلك أرى أن كاتب السيناريو لو حذف من فيلمه تلك المشاهد القصيرة التي تتحدث عن الفيضان,وركز على قصة الحب هذه وأعطاها حقها من الكتابة والدراما,ما كان الفيلم ليفشل,لأنه لا يجدي أبدا ان تجعل من حدث حساس ومأساوي كفيضانات مومباي عكازا تتكئ عليه قصة حب أكثر من رائعة...

من الأمور المميزة في الفيلم هي الموسيقى و ومن هنا أرى انه ان التزم القائمون على اختيار أحسن البوم موسيقي الحياد في يوم إعلان النتائج,فبكل تأكيد سيكون البوم tum mile هو الفائز ,أغاني جد رائعة تدلف الى أعماق الروح,صوت المغني المميز k.k كان حاضرا وبقوة وكانت اغنيته dil ibadat  واحدة من أجمل الأغاني التي قدمها على الإطلاق, دون أن ننسى صوت المغني javed ali   الذي كان حاضرا من خلال الأغنية المميزة tu hai haqeeqat .

لذلك أصدقائي عشاق السينما الهندية,نصيحتي لكم عندما تودون مشاهدة هذا الفيلم,هي أن تنزعوا ذلك التوقع بمشاهدة فيلم حول فيضانات مومباي,وشاهدوا الفيلم على أساس انه قصة حب بين بطلين وفقط,فعلى الأقل بهذه الطريقة سوف تستمتعون بثنائية عمران وسها,أما إن شاهدتم الفيلم على أساس ما يظهرونه في البوستر,فانا على يقين تام انه سيخيب آمالكم وقد تخرجون من الفيلم بانطباع سيء أكيد أن من يتحمل مسؤوليته هو كاتب السيناريو..
كان هذا مجرد راي,قد يحتمل الصواب كما قد يحتمل الخطأ,والى اللقاء مع فيلم آخر..

تقييمي الشخصي للفيلم 6/10 .

السبت، 11 شتنبر 2010

تعلموا من هذه السينما



كثير من الأصدقاء نصحوني بمشاهدة السينما الإيرانية,وكم ندبت حظي لكوني اكتشفت مؤخرا هذا الكنز السينمائي الحقيقي الذي يجعلك عينك تستمع بفن راقي بعيد كل البعد عن الميوعة التي كثيرا ما تحتل مواضيعنا السينمائية المحلية..



آخر فيلم إيراني شاهدته كان فيلم "أطفال الجنة" للمخرج الإيراني مجيد مجيدي,الفيلم من إنتاج سنة 1999,نوعه درامي عائلي,وأبطاله طفلين صغيرين,أما عدد جوائزه فقد تعدت ال 10 جوائز من بينها ترشيح لجائزة أفضل فيلم أجنبي للأوسكار,كما تحصل الفيلم على تقييم 8 على 10 في الموقع الجماهيري imdb  وذلك بتصويت أكثر من 6 آلاف مشاهد.

يحكي الفيلم قصة طفل صغير يقوم بإضاعة حذاء أخته التي تصغره بعام واحد,مما يجعله يشاركها حذائه الرياضي,بحيث ينتظر حتى تنتهي من دروسها لتعطيه الحذاء الوحيد المتوفر في المنزل,وفي يوم من الأيام,يشارك في مسابقة للجري جائزتها الثالثة هي حذاء رياضي,لكنه لسوء حظه يتحصل على المرتبة الأولى ليضيع حلم الحصول على حذاء جديد لأخته..

الفيلم يحاول صياغة عدد من الأسئلة حول واقع الفقر بإيران دون الحاجة إلى تكثيف الصور القاتمة والبالغة السواد,بحيث استعمل المخرج الحذاء الوحيد كناية عن حال عدد من الأسر الإيرانية التي تعيش تحت عتبة الفقر,فأسرة الطفلين تعيش في غرفة صغيرة,والأب يقدم الشاي للمصلين في المساجد,كما أن هذه الأسرة هي أسرة محافظة على قيمها,بحيث أن الطفلة الصغيرة ترتدي الحجاب,والطفل يساعد والده,والأب يحترم عمله ولا يقوم بأي نوع من أنواع الغش..

شخوص الفيلم حملت في ثناياها نوعا من التصوير لمختلف طبقات الشعب الإيراني,فالطفل يمثل ذلك الطفل الإيراني الذي يتحمل المسؤولية منذ صغره وذلك ببحثه عن الحذاء الذي استعمل كرمز للطموح,كما انه يدل على ذلك الطفل الحيوي والنشيط,طفل مجد في دراسته,يقوم بواجباته الأسرية دون كلل ولا ملل حتى ولو كلفه الأمر الابتعاد عن ضرورياته كطفل من قبيل اللعب و المرح,فالفقر كثيرا ما كان عاملا يجعل من الطفولة تنتهي في وقت قصير,ويظهر هذا من خلال ما قاله له والده في بداية الفيلم"أنت الآن رجل بالغ,فلقد تجاوزت سنة التاسعة"...




شخصية الطفل "علي" استطاعت أن تحوز على تقدير وعلى إعجاب اغلب المتتبعين, تقمص مميز للشخصية جعل هذا الممثل الصغير يكون واحدا من أهم أسباب نجاح الفيلم..

الأب ولو ظهر في البداية غاضبا,إلا انه ومع مرور الفيلم,نكتشف فيه صورة ذلك الأب الحنون الذي يقوم بأي شيء من اجل إعالة أسرته الصغيرة,أما الطفلة الصغيرة,فهي تبين صورة الفتاة الإيرانية في خجلها وصمتها,لكنه خجل ايجابي بحيث تجتهد في دراستها ولا تفشي أسرار أخوها..

طوال الفيلم,تسحرنا الموسيقى الإيرانية بترانيمها المميزة,ونستكشف عبق التاريخ الإيراني ومعالم الحضارة الفارسية,بحيث استطاع الفيلم أن يمزج بين الحكاية والاستطلاع,من جهة فالمشاهد يتتبع خيط الأحداث ومن جهة أخرى نستمع بجمال المحيط الإيراني وبعمق هذه الحضارة المميزة.

سيناريو الفيلم تميزه يظهر في عدد من النقاط لعل أهمها هو أن أي كان يمكن أن يفهم قصة الفيلم دون الحاجة إلى ترجمة,فبساطة القصة,وخلو الفيلم من الحوارات المعقدة,والتقمص المميز للشخصيات,كلها عوامل تجعل من المتتبع يشاهد الفيلم ويستمتع به دون الحاجة إلى كثير من التعقيد..

من الأمور الأخرى التي تبين قوة السيناريو هي بساطة زمنه الذي لا يتجاوز أيام معدودة,زمن مر عاديا دون توظيف عناصر الاستباق والتكسير,فالأحداث تتماشى مع الفيلم بكل انسيابية تاركة المجال للمشاهد للتركيز على الأحداث بدل إثقال الفيلم بالتمويج الزمني,هذا بالإضافة على أن مكان وقوع الأحداث في الفيلم لم يتجاوز بعض الأماكن المعروفة كالمدرسة التي صورت معالم الاكتظاظ في المؤسسات التعليمية و البيت الصغير والأزقة الملتوية التي تعج بالساكنة..

في غنى السيناريو وتشعبه رغم بساطة القصة,يمكن أن نستكشف عددا من الثيمات التي تم تكثيفها في الفيلم,ثيمة الأخوة الحقيقية بين الطفلين,أخوة تجاوزت كل الحدود الممكنة لتصل إلى حد تبادل الحذاء الواحد,ثيمة التعاون بين الفقراء,ثيمة الهوة الساحة بين الطبقات الغنية والفقيرة,ثيمة الاحترام بين الأساتذة والتلاميذ,ثيمة الحب بين الآباء والأبناء,باختصار فأطفال الجنة رغم انه صور واقعا مريرا للفقراء في إيران,إلا انه رسم عددا من الصور الجميلة التي تعشش في المجتمع الإيراني,وكأن مجيد مجيدي يريد أن يقول أن القبح مهما زاد وكثر,لا يستطيع أبدا أن يمحو معالم الجمال.

أطفال الجنة للمخرج مجيد مجيدي ليس بفيلم نمر عليه مرور الكرام,بل هو فيلم يتحدى كل واحد يقول بان السينما ليست أخلاق,هو فيلم يعطي الدليل القاطع على قدرة السينما العجيبة على التربية وعلى تعليم القيم الحقيقية للإنسان,ولا اقصد بالتربية ما نعرفه بالفيلم التربوي الرتيب,بل اقصد بان السينما ككل لا تنجح إلا من خلال قدرتها على بناء القيم وليس هدمها كما يفعل عدد من المخرجين بالمغرب..

أطفال الجنة ابهر كل المشاهدين,بحيث أعطى درسا حقيقا لكل من يركز على المشاهد الجنسية والكلام النابي لإنجاح فيلمه,فالفيلم خالي من كل أدوات الإثارة الجنسية,أقول هذا الكلام ليس لان الجنس عيب علينا تجنبه في السينما,وليس لان السينما عليها تجنب الطابوهات,بل أقوله لأنه وللأسف هناك بعض السينمائيون في المغرب ممن يركزون على الجنس وعلى الكلام الساقط لاستقطاب الجماهير العريضة,وكل من يخالفهم الرأي فهو ظلامي ورجعي ولا يعرف ما هي السينما..

تعمدت الحديث عن فيلم أطفال الجنة في هذه الظرفية بالذات,فعدد من المنظرين الجدد للسينما بالمغرب يعتقدون أن كل من لا يشجع السينما المنحطة والغبية إنسان رجعي,ولا زلت أتذكر ذلك السجال القوي الذي خلفه عرض فيلم متواضع اسمه marock لليلى المراكشي,وكيف أن هناك من دافع عن هذا الفيلم المنحط رغم أن اغلب الجماهير أقرت بأنه فيلم يهدم القيم,وغير بعيد عن ذلك استيقظنا جميعا على كارثة فنية اسمها حجاب الحب وكيف أن البعض حاول الدفاع عن فيلم يقدح في القيم وفي الموروث الثقافي للمجتمع المغربي..

ومن هنا اسأل ׃ هل فيلم أطفال الجنة فيلم ظلامي لأنه يقطع مع مشاهد الجنس والشراب وحوارات الكلام النابي؟؟هل تجربة رائدة للسينما الإيرانية بكل جماليات الصورة والإبداع السينمائي ستجعل بعض مخرجينا يغيرون من جلودهم و يختارون مواضيع سينمائية أكثر عمقا بدل مواضيع الجنس والخمر والكلام الساقط؟

حجاب الحب :الكثير من الجنس والقليل من الفن

باعترافي أن الفن لا موطن له,تشمل مشاهداتي السينمائية عددا من المدارس الكبرى في هذا المجال,فبدءا بإبداعات هوليوود ومرورا بجماليات بوليوود وختاما بما تجود به قريحة السينما المغربية,يتولد الاعتراف بان السينما ليست حكرا على شعب واحد وأنها مرآة إبداعية تعكس نضجا فنيا لعدد من المجتمعات.

كانت الضجة الكبيرة التي خلفها فيلم عزيز السالمي حجاب الحب كبيرة لدرجة دفعت عديد الجماهير المغربية لمشاهدة الفيلم,وربما أن اللعب على الوتر الحساس للجمهور المغربي وهو الجنس والدين,قد دفعاه لمشاهدة هذا الفيلم رغم الانتقادات الواسعة التي تلقاها,ليجسد هذا الفيلم المقولة التي تفيد بان كل ممنوع مرغوب,أي فيلم سينمائي يحدث ضجة سيكون مستفيدا بشكل كبير من الأرباح.



هذه هي النتيجة التي خلصت إليها بعد مشاهدة هذا الفيلم,ففقط تلك الضجة الكبيرة التي أحدثها هي من كانت سببا في نجاحه التجاري,فالفيلم كان متواضعا من اغلب مقومات السينما واعتمد على إدماج بعض المشاهد المجانية وذلك بغية نجاح الفيلم في القاعات السينمائية,ففي الآونة الأخيرة صار هم عدد من المنتجين والمخرجين هو ضمان اكبر عدد من المداخيل ولو على حساب قيم ومبادئ مجتمع مغربي غالبا ما يتم تجاوزها.

أول خطا نلحظه في الفيلم هو عدم التطابق بين اسم الفيلم بالعربية واسمه بالفرنسية,ف amours voilés لا تترجم ب حجاب الحب,وإنما بالحب المحجب,على اعتبار أن ترجمة حجاب الحب بالفرنسية تعادل le voile d’amour,هذا الاغتراب الذي تعيشه اللغة العربية تجاوز العنوان ووصل إلى الفيلم الذي تصل نسبة استعمال الفرنسية فيه إلى أكثر من 50 في المائة,رغم أن الفيلم تدور أحداثه في الدار البيضاء ورغم أن اغلب الشخصيات هي مغربية ترعرعت في المغرب وليس في مكان آخر.

قصة الفيلم تعاني من كثير من الفتور,فهي تتلخص في طبيبة بلغت سن 28 دون أن تتزوج مما جعلها تحس وصديقاتها الأخريات بان الوقت مناسب للتعرف على شريك الحياة, تتعرف على شخص مطلق,تنشا بينهما قصة حب سريعة,يأتي رمضان,تتحجب الفتاة,بعد ذلك يموت أخوها في حادثة سير,مما يجعلها تقرر الابتعاد عن حبيبها الذي تجمعه علاقة بعدد من الأخريات,لكن حملها منه يجعلها تفكر في قرار تركه.

اكبر أخطاء الفيلم كان السيناريو,الذي يعاني من شرخ كبير,فالقصة متواضعة وليس فيها أية إسقاطات حقيقية على المجتمع المغربي ,فالعنوسة التي تحدث عنها الفيلم لا تصيب الفتيات الغنيات الجميلات كما رأينا خلال أحداثه,بل هي تصيب الفتيات الفقيرات اللواتي يعانين من تواضع في الجمال,أما من صورهن الفيلم فعديد المغاربة يعتبروهن دجاجة بكامونها,ولا تصيبهن العنوسة إلا في حالات نادرة لا تستحق أن ينجز حولها فيلم ما.

أما الحديث عن الحجاب في الفيلم,فكأنك تحس أن المخرج ادخل هذا الموضوع فوق السيناريو كبعض التوابل التي تزيد من مبيعات الفيلم,الحجاب لم يوضع في سياقه الحقيقي داخل الفيلم,البطلة وضعت الحجاب على رأسها وصارت تتكلم بالحرام والحلال هكذا دون سابق إنذار رغم أنها ظهرت في بداية الفيلم كفتاة متفتحة لا يعنيها الدين في شيء,فلو كان المخرج ذكيا بعض الشيء لأعطى لنقطة تحول الفتاة إلى الالتزام الديني اهتماما كبيرا في حبكة الفيلم بدل أن يسيق الأمر على انه مجرد تأثر بقدوم شهر رمضان.

الفتاة الثانية تضع الحجاب فوق رأسها فقط لتتزوج, وهنا قد اتفق قليلا مع مخرج الفيلم ما دامت عديد الفتيات في مجتمعنا تقوم بهذا الشكل.دون أن أنسى أن مقتل اخو البطلة كان عبثيا إلى أقصى درجة,فهو يجد أخته المتحجبة تتأبط ذراع رجل في مناسبة ما,وعوض أن ينهرها يرمقها بنظرات غضب,ويتركها حتى تستقل سيارتها مع حبيبها,ليقوم بمطاردتها, ليصطدم بسيارة أخرى.

هناك عدد من المشاهد المجانية في الفيلم,خاصة المشاهد الجنسية التي دارت بين يونس ميكري وحياة بلحلوفي,فهي لا تخدم حبكة النص خاصة المشهد الجنسي الأخير الذي دار بينهما قبل نهاية الفيلم بلحظات׃فتاة تأتي متحجبة,تنزع حجابها بطريقة مهينة,تمارس الجنس,ثم تنهض لتقول لقد اقترفت ذنبا,تخرج بعض ذلك غاضبة,لم افهم ما الذي يحاول المخرج إيصاله بهذا المشهد سوى زيادة الجرعات الجنسية في فيلمه..

حوارات الفيلم طبعها كثير من التكلف والكلام المنمق,فمرة تلو الأخرى,يصيبني نوع من التأكد بان الأفلام المغربية غالبا ما تغيب عنها حوارات رومانسية في المستوى,كثير من أحداث الفيلم طبعتها حوارات ضعيفة,ولن أحاول عدها لأنها تشكل اغلب أحداث الفيلم,لأنها باختصار تؤكد ان هناك عملا كبيرا يستحق ان يبذل في الكتابة السينمائية المغربية خاصة التي تعنى بالجانب الرومانسي.

لن أعقب كثيرا على أداء الممثلين الذين كان متفاوتا,الحطاب بدور الرجل الملتزم كان مقنعا رغم أن ما يعاب على المخرج هو كونه أعطى لشخصية الرجل الملتزم بعدا ساذجا,حياة بلحلوفي بدور "الباتول" أداؤها لم افهمه صراحة ولا أرى أنها أصلا صالحة لهذا الدور ما دامت حتى لهجتها المغربية غير واضحة,يونس ميكري يكرر نفسه في اغلب أفلامه,فهو دائما ذلك الشخص المنفتح على الحياة والذي يجد نفسه قادرا على أداء أكثر الأدوار جرأة جنسية,أما صديقات الفتيات وهن سعدية لاديب,نجاة خير الله ونورة الصقلي,فقد كان اداؤهن مقبولا بالعموم.

باختصار,فيلم حجاب الحب,لا يقدم أي جديد في عالم السينما المغربية,فليس عيبا أن نتكلم عن الحجاب وعن الجنس في السينما,لكن العيب هو أن نجعل من هذين العنصرين مجرد وسيلة لجذب الجمهور متناسين أن السينما عملية إبداعية ناضجة تقدم للجمهور كي يعيد اكتشاف ذاته,فهي وسيلة ترفيهية وتثقيفية بأبعاد فنية تتلخص في طرح أسئلة حول اكبر هموم وقضايا الإنسان بشكل يخدمها لا أن يصيبها بالمرض كما فعل السالمي في فيلمه هذا الذي يعتبر بحق من أسوأ الأفلام التي قدمتها السينما المغربية مؤخرا.

The edge of heaven

The edge of heaven ...سفر إلى أعماق الذات الإنسانية


لرؤية بطاقة الفيلم التقنية المرجو الضغط هنا

لم أشاهد هذا الفيلم إلا بالصدفة,ولم أقم بتحميله إلا بالصدفة,وربما أن المثل القائل صدفة خير من ألف ميعاد كان خير واصف لهذه الواقعة,فقد خلت نفسي محملا لفيلم كوميدي فقط لتمضية الوقت,لكن يبدوا ان القدر لم يرد لي في تلك الليلة ان أغلف سهرتي بالرداءة واختار لي فيلما جادا لم أتوقعه بالمرة..

The edge of heaven إنتاج مشترك بين دور إنتاج ألمانية وتركية يحكي قصصا متنوعة او قصة واحدة تشعبت عنها عدد من القصص المميزة,ففي البدء اكتشفنا شخصيتين اثنتين هما الأب العجوز والمرأة المومس,تركيان يعيشان بألمانيا,لقاء قصير بينهما في الديار الألمانية كان كافيا لعلاقة لم تعمر طويلا,بعدما قتل الأب العجوز هذه المرأة في نوبة غضب,مما حتم على ابنه المثقف ان يبحث عن ابنة المومس في تركيا لكي يتكفل بمصاريف تعليمها,عودته إلى تركيا جعلته يقرر الاستقرار في بلده الأصلي دون العودة الى ألمانيا,في نفس الوقت ابنة المومس والتي تنشط في اطار إحدى الجماعات الاستقلالية هربت الى ألمانيا بعد متابعة الشرطة لها,وهناك ستلتقي بفتاة ألمانية حيث يكونان رفقة طيبة,لم يعكرها سوى اعتقال الفتاة التركية من طرف السلطات الألمانية وإرجاعها قسرا الى الديار التركية حيث يزج بها في السجن,الفتاة الالمانية تقرر ان تذهب الى تركيا لكي تساهم في مساعدة صديقتها وبالتالي ان تحاول إخراجها من السجن,لكن لم تكن تدري انها سوف تقتل في تركيا,مما حذا بأمها ان تأتي هي الأخرى الى تركيا لتتسلم جثمان ابنتها,وهناك تحدث تطورات أخرى في الفيلم...
                                  

قصة الفيلم متشابكة لدرجة كبيرة,ولعلي بالمخرج يحاول ان يقدم شكلا جديدا من الفن السينمائي لذلك عمد إلى هذه التقنية من السرد السينمائي المتشابكة,شخوص نحاول ان نتبع مسارهم فنجد أنفسنا نتبع مسار شخوص أخرى,عملية معقدة جدا قام بها كاتب السيناريو كناية عن مجتمعات معقدة وعن خيوط مكثفة بين مجتمعين يشتركان في عدد قليل من النقاط ويختلفان في عدد كبير منها...

الفيلم يحاول ان يبين للمشاهد ابرز معالم المجتمعين التركي والألماني,فهذا الأخير هو مجتمع متحضر فيه حقوق الإنسان وفيه نوع من التحرر الاجتماعي الظاهر في دور الدعارة والكباريهات بالإضافة الى مظاهر التقدم الإنساني المتجلية في الجامعات والقطارات الحديثة و مكاتب الهجرة,اما المجتمع التركي فهو مجتمع متناقض على شاكلة الكثير من دول العالم الثالث,مجتمع تجتمع فيه متناقضات كثيرة,فداخله تعشش توترات سياسية بين الأكراد والأتراك,وداخله تنتشر السرقة والعنف,لكن بالمقابل توجد معالم حضارة متميزة تظهر في الفيلم من خلال الموسيقى التركية الجميلة والمساجد الإسلامية التي كان لها دور قيمي حضاري في الفيلم أكثر من دورها الديني,دون ان ننسى طيبوبة الإنسان التركي وتعامله مع الأجانب بكل تلقائية وحبية...

في غمرة هذه المقارنة بين المجتمعين,نجد ان المخرج اظهر لنا عوامل تربط بين الإنسان التركي والألماني,فالأستاذ التركي المقيم بألمانيا حافظ على مبادئه وعلى قناعاته وعلى قيمه رغم انه يعيش في بلد مغاير,الأب الذي دخل السجن يبين الكبت الذي يعاني منه عدد من شيوخ العالم الثالث اللذين يتحررون في البلدان المتقدمة,المومس تبين ان المرأة الشرقية كثيرا ما تتنكر لحقيقتها في البلدان الأوربية,وكثيرا ما تختار أسهل الحلول في سبيل كسب لقمة العيش,او دعونا نقول ان الأوضاع الاقتصادية في بلد كألمانيا تحتم على إنسانة دون مستوى تعليمي محدد ان تعمل في الدعارة,الفتاة التركية توضح لنا قوة الشباب المتطلع الى خوض صراعات سياسية,الفتاة الالمانية تبين نموذج الفتاة الغربية التي يغلب عليها الطابع الإنساني,الأم الالمانية ترسم في الفيلم ملامح الإنسان الغربي الحذر من سلوكيات الإنسان المهاجر على اعتبار اختلاف البيئات وعدم تشبعه بالثقافة الغربية...
                  

في الفيلم تنكشف عدد من العلاقات,فهناك علاقة الجنس التي جمعت المومس التركية بالشيخ التركي,علاقة جنسية بحتة كشفت عن بعض السلوكيات السلبية للمهاجر الشرقي في البلدان الأوربية,هناك أيضا علاقة السحاق بين الفتاتين,والتي صورها المخرج بالعلاقة الحميمة التي جعلت منهما ان يكونا بهذا القدر من التلاحم,وربما ان المخرج لم يكن لديه حل آخر لتفادي هذه العلاقة على اعتبار ان الإنسان الألماني إنسان يفكر بعقله,ولما كان الحب متواجدا,فقد صار الأمر عاطفيا الى درجة النضال من اجل قضية سياسية تركية,أيضا هناك العلاقات التي جمعت الأستاذ التركي بالآخرين,فهي علاقات ملؤها الاحترام تعكس قيمة الإنسان المثقف وقيمة الثقافة في حياة الإنسان..

روعة الفيلم تكمن في كونه كان انجازا ثقافيا قبل ان يكون انجازا سينمائيا,ففي الفيلم تعزف سيمفونية التلاقي بين حضارتين مختلفتين,كما نجد حضورا قويا للكتاب من خلال المكتبة الالمانية وسط اسطنبول,دون ان أنسى ان قرار المرأة الالمانية تحقيق حلم ابنتها المقتولة يعكس ان الأمل لا زال موجودا في هذا العالم,وان الإنسانية طابع مشترك لا تفرقه الأديان أو الأعراق...

من الأمور التي أعجبتني في الفيلم,هو عامل المفاجأة,مثلا كنا نود ان تسترسل المومس في الفيلم,فيحدث الموت المفاجئ الذي خلخل عملية السير العادي للحدث,أيضا تمكن المفاجأة في مقتل الفتاة الالمانية في غمرة التشويق لدرجة ان المتلقي يأسف كثيرا لمقتل عنصر مهم من عناصر القصة ويجد نفسه مجبرا على تتبع مسار الأبطال الآخرين,وكأنني بالمخرج يحاول بعنصر المفاجأة ان يؤكد على غياب البطولة في فيلمه,فنحن نقر ان الفتاة التركية تشكل خيطا رفيعا للحدث,لكن أهمية الشخوص الأخرى تجعل من دور البطولة غير بارز,أو بالأحرى دعونا نقول أنها بطولة وهمية في زمن انتفت فيه معالم البطولة الحقيقية وصار الإنسان مجرد لعبة في أيدي القدر..
                            

إخراج الفيلم كان بالسهل الممتنع,فلم توجد مؤثرات بصرية ولا مشاهد جماهيرية كبيرة,وإنما عدسة كاميرا تحاول ان تعطي للمشاهد التناقضات التي يعيشها الشخوص,المخرج استطاع إيجاد توليفة مهمة من اللقطات والمشاهد الممتازة,منها مشاهد السفر,سفر الأستاذ التركي إلى بلده الأصلي,سفر الالمانية في سبيل إخراج صديقتها من السجن,وأكثرها جمالا مشهد سفر الجثمانيين,جثمان المومس التركي الذي عاد إلى البلد الأصلي,وجثمان الفتاة الالمانية الذي غادر مطار اسطنبول عودة الى ألمانيا,لقطة استعمل فيها نفس المشهد كناية عن ان الموت عامل مشترك بين البلدين وانه هو الآخر مجرد حلقة من حلقات  عالم الأحياء..

لغة الفيلم تنوعت بين اللغة الالمانية والتركية والانجليزية,تهجين لغوي ملحوظ,فالشخوص التي عاشت بين البلدين لمدة طويلة تفهم اللغتين الالمانية و التركية,والشخوص التي لا تعرف جيدا البلد الآخر كحالة الفتاتين,كانت الانجليزية لغة تواصلية استطاعت ان تجمع الفتاتين رغم اختلاف لغتهما الأم...

الفيلم يوفر للمتلقي فرجة سينمائية وإشباعا فنيا منقطع النظير,نهاية مفتوحة على كل الأصعدة لم يرد المخرج من خلالها ان يعطي إجابة لكل سؤال,لكنه قدم معالم نهاية سعيدة على الأقل للفتاة التركية التي وجدت من يتكفل بتعليمها والتي تحررت من حبال التجمعات القبلية,وبالتالي كانت ضرورة ان ينتصر العقل في النهاية,وان تعود الشخوص إلى علاقة الود,الأب لذي اقترف الجريمة يعود الى وطنه,الأم الالمانية تبقى في تركيا ,الأستاذ التركي يختار البقاء نهائيا في تركيا,نهاية حاولت ان تعطي بعض الأمل للمتلقي على اعتبار قسوة الخط الحكوي للفيلم...

ختاما,لا يسعني ,لا ان انصح كل عاشق للسينما الجادة بمشاهدة هذا الفيلم,لعدة اعتبارات أهمها انه نجاح في إيصال رسالة التلاقح الثقافي بين حضارتين مختلفتين دون الغوص في متاهات كبيرة,وانه فيلم موجه للإنسانية جمعاء يؤكد على ان الفرد سواء أكان غربيا أو شرقيا,فهو إنسان واحد له من التطلعات ما يكفي لبناء رؤية واحدة تتطلع إلى المستقبل وتنزع العوائق التي من شانها إضفاء مزيد من التوتر على علاقاتنا مع الآخر..