السبت، 11 شتنبر 2010

تعلموا من هذه السينما



كثير من الأصدقاء نصحوني بمشاهدة السينما الإيرانية,وكم ندبت حظي لكوني اكتشفت مؤخرا هذا الكنز السينمائي الحقيقي الذي يجعلك عينك تستمع بفن راقي بعيد كل البعد عن الميوعة التي كثيرا ما تحتل مواضيعنا السينمائية المحلية..



آخر فيلم إيراني شاهدته كان فيلم "أطفال الجنة" للمخرج الإيراني مجيد مجيدي,الفيلم من إنتاج سنة 1999,نوعه درامي عائلي,وأبطاله طفلين صغيرين,أما عدد جوائزه فقد تعدت ال 10 جوائز من بينها ترشيح لجائزة أفضل فيلم أجنبي للأوسكار,كما تحصل الفيلم على تقييم 8 على 10 في الموقع الجماهيري imdb  وذلك بتصويت أكثر من 6 آلاف مشاهد.

يحكي الفيلم قصة طفل صغير يقوم بإضاعة حذاء أخته التي تصغره بعام واحد,مما يجعله يشاركها حذائه الرياضي,بحيث ينتظر حتى تنتهي من دروسها لتعطيه الحذاء الوحيد المتوفر في المنزل,وفي يوم من الأيام,يشارك في مسابقة للجري جائزتها الثالثة هي حذاء رياضي,لكنه لسوء حظه يتحصل على المرتبة الأولى ليضيع حلم الحصول على حذاء جديد لأخته..

الفيلم يحاول صياغة عدد من الأسئلة حول واقع الفقر بإيران دون الحاجة إلى تكثيف الصور القاتمة والبالغة السواد,بحيث استعمل المخرج الحذاء الوحيد كناية عن حال عدد من الأسر الإيرانية التي تعيش تحت عتبة الفقر,فأسرة الطفلين تعيش في غرفة صغيرة,والأب يقدم الشاي للمصلين في المساجد,كما أن هذه الأسرة هي أسرة محافظة على قيمها,بحيث أن الطفلة الصغيرة ترتدي الحجاب,والطفل يساعد والده,والأب يحترم عمله ولا يقوم بأي نوع من أنواع الغش..

شخوص الفيلم حملت في ثناياها نوعا من التصوير لمختلف طبقات الشعب الإيراني,فالطفل يمثل ذلك الطفل الإيراني الذي يتحمل المسؤولية منذ صغره وذلك ببحثه عن الحذاء الذي استعمل كرمز للطموح,كما انه يدل على ذلك الطفل الحيوي والنشيط,طفل مجد في دراسته,يقوم بواجباته الأسرية دون كلل ولا ملل حتى ولو كلفه الأمر الابتعاد عن ضرورياته كطفل من قبيل اللعب و المرح,فالفقر كثيرا ما كان عاملا يجعل من الطفولة تنتهي في وقت قصير,ويظهر هذا من خلال ما قاله له والده في بداية الفيلم"أنت الآن رجل بالغ,فلقد تجاوزت سنة التاسعة"...




شخصية الطفل "علي" استطاعت أن تحوز على تقدير وعلى إعجاب اغلب المتتبعين, تقمص مميز للشخصية جعل هذا الممثل الصغير يكون واحدا من أهم أسباب نجاح الفيلم..

الأب ولو ظهر في البداية غاضبا,إلا انه ومع مرور الفيلم,نكتشف فيه صورة ذلك الأب الحنون الذي يقوم بأي شيء من اجل إعالة أسرته الصغيرة,أما الطفلة الصغيرة,فهي تبين صورة الفتاة الإيرانية في خجلها وصمتها,لكنه خجل ايجابي بحيث تجتهد في دراستها ولا تفشي أسرار أخوها..

طوال الفيلم,تسحرنا الموسيقى الإيرانية بترانيمها المميزة,ونستكشف عبق التاريخ الإيراني ومعالم الحضارة الفارسية,بحيث استطاع الفيلم أن يمزج بين الحكاية والاستطلاع,من جهة فالمشاهد يتتبع خيط الأحداث ومن جهة أخرى نستمع بجمال المحيط الإيراني وبعمق هذه الحضارة المميزة.

سيناريو الفيلم تميزه يظهر في عدد من النقاط لعل أهمها هو أن أي كان يمكن أن يفهم قصة الفيلم دون الحاجة إلى ترجمة,فبساطة القصة,وخلو الفيلم من الحوارات المعقدة,والتقمص المميز للشخصيات,كلها عوامل تجعل من المتتبع يشاهد الفيلم ويستمتع به دون الحاجة إلى كثير من التعقيد..

من الأمور الأخرى التي تبين قوة السيناريو هي بساطة زمنه الذي لا يتجاوز أيام معدودة,زمن مر عاديا دون توظيف عناصر الاستباق والتكسير,فالأحداث تتماشى مع الفيلم بكل انسيابية تاركة المجال للمشاهد للتركيز على الأحداث بدل إثقال الفيلم بالتمويج الزمني,هذا بالإضافة على أن مكان وقوع الأحداث في الفيلم لم يتجاوز بعض الأماكن المعروفة كالمدرسة التي صورت معالم الاكتظاظ في المؤسسات التعليمية و البيت الصغير والأزقة الملتوية التي تعج بالساكنة..

في غنى السيناريو وتشعبه رغم بساطة القصة,يمكن أن نستكشف عددا من الثيمات التي تم تكثيفها في الفيلم,ثيمة الأخوة الحقيقية بين الطفلين,أخوة تجاوزت كل الحدود الممكنة لتصل إلى حد تبادل الحذاء الواحد,ثيمة التعاون بين الفقراء,ثيمة الهوة الساحة بين الطبقات الغنية والفقيرة,ثيمة الاحترام بين الأساتذة والتلاميذ,ثيمة الحب بين الآباء والأبناء,باختصار فأطفال الجنة رغم انه صور واقعا مريرا للفقراء في إيران,إلا انه رسم عددا من الصور الجميلة التي تعشش في المجتمع الإيراني,وكأن مجيد مجيدي يريد أن يقول أن القبح مهما زاد وكثر,لا يستطيع أبدا أن يمحو معالم الجمال.

أطفال الجنة للمخرج مجيد مجيدي ليس بفيلم نمر عليه مرور الكرام,بل هو فيلم يتحدى كل واحد يقول بان السينما ليست أخلاق,هو فيلم يعطي الدليل القاطع على قدرة السينما العجيبة على التربية وعلى تعليم القيم الحقيقية للإنسان,ولا اقصد بالتربية ما نعرفه بالفيلم التربوي الرتيب,بل اقصد بان السينما ككل لا تنجح إلا من خلال قدرتها على بناء القيم وليس هدمها كما يفعل عدد من المخرجين بالمغرب..

أطفال الجنة ابهر كل المشاهدين,بحيث أعطى درسا حقيقا لكل من يركز على المشاهد الجنسية والكلام النابي لإنجاح فيلمه,فالفيلم خالي من كل أدوات الإثارة الجنسية,أقول هذا الكلام ليس لان الجنس عيب علينا تجنبه في السينما,وليس لان السينما عليها تجنب الطابوهات,بل أقوله لأنه وللأسف هناك بعض السينمائيون في المغرب ممن يركزون على الجنس وعلى الكلام الساقط لاستقطاب الجماهير العريضة,وكل من يخالفهم الرأي فهو ظلامي ورجعي ولا يعرف ما هي السينما..

تعمدت الحديث عن فيلم أطفال الجنة في هذه الظرفية بالذات,فعدد من المنظرين الجدد للسينما بالمغرب يعتقدون أن كل من لا يشجع السينما المنحطة والغبية إنسان رجعي,ولا زلت أتذكر ذلك السجال القوي الذي خلفه عرض فيلم متواضع اسمه marock لليلى المراكشي,وكيف أن هناك من دافع عن هذا الفيلم المنحط رغم أن اغلب الجماهير أقرت بأنه فيلم يهدم القيم,وغير بعيد عن ذلك استيقظنا جميعا على كارثة فنية اسمها حجاب الحب وكيف أن البعض حاول الدفاع عن فيلم يقدح في القيم وفي الموروث الثقافي للمجتمع المغربي..

ومن هنا اسأل ׃ هل فيلم أطفال الجنة فيلم ظلامي لأنه يقطع مع مشاهد الجنس والشراب وحوارات الكلام النابي؟؟هل تجربة رائدة للسينما الإيرانية بكل جماليات الصورة والإبداع السينمائي ستجعل بعض مخرجينا يغيرون من جلودهم و يختارون مواضيع سينمائية أكثر عمقا بدل مواضيع الجنس والخمر والكلام الساقط؟

حجاب الحب :الكثير من الجنس والقليل من الفن

باعترافي أن الفن لا موطن له,تشمل مشاهداتي السينمائية عددا من المدارس الكبرى في هذا المجال,فبدءا بإبداعات هوليوود ومرورا بجماليات بوليوود وختاما بما تجود به قريحة السينما المغربية,يتولد الاعتراف بان السينما ليست حكرا على شعب واحد وأنها مرآة إبداعية تعكس نضجا فنيا لعدد من المجتمعات.

كانت الضجة الكبيرة التي خلفها فيلم عزيز السالمي حجاب الحب كبيرة لدرجة دفعت عديد الجماهير المغربية لمشاهدة الفيلم,وربما أن اللعب على الوتر الحساس للجمهور المغربي وهو الجنس والدين,قد دفعاه لمشاهدة هذا الفيلم رغم الانتقادات الواسعة التي تلقاها,ليجسد هذا الفيلم المقولة التي تفيد بان كل ممنوع مرغوب,أي فيلم سينمائي يحدث ضجة سيكون مستفيدا بشكل كبير من الأرباح.



هذه هي النتيجة التي خلصت إليها بعد مشاهدة هذا الفيلم,ففقط تلك الضجة الكبيرة التي أحدثها هي من كانت سببا في نجاحه التجاري,فالفيلم كان متواضعا من اغلب مقومات السينما واعتمد على إدماج بعض المشاهد المجانية وذلك بغية نجاح الفيلم في القاعات السينمائية,ففي الآونة الأخيرة صار هم عدد من المنتجين والمخرجين هو ضمان اكبر عدد من المداخيل ولو على حساب قيم ومبادئ مجتمع مغربي غالبا ما يتم تجاوزها.

أول خطا نلحظه في الفيلم هو عدم التطابق بين اسم الفيلم بالعربية واسمه بالفرنسية,ف amours voilés لا تترجم ب حجاب الحب,وإنما بالحب المحجب,على اعتبار أن ترجمة حجاب الحب بالفرنسية تعادل le voile d’amour,هذا الاغتراب الذي تعيشه اللغة العربية تجاوز العنوان ووصل إلى الفيلم الذي تصل نسبة استعمال الفرنسية فيه إلى أكثر من 50 في المائة,رغم أن الفيلم تدور أحداثه في الدار البيضاء ورغم أن اغلب الشخصيات هي مغربية ترعرعت في المغرب وليس في مكان آخر.

قصة الفيلم تعاني من كثير من الفتور,فهي تتلخص في طبيبة بلغت سن 28 دون أن تتزوج مما جعلها تحس وصديقاتها الأخريات بان الوقت مناسب للتعرف على شريك الحياة, تتعرف على شخص مطلق,تنشا بينهما قصة حب سريعة,يأتي رمضان,تتحجب الفتاة,بعد ذلك يموت أخوها في حادثة سير,مما يجعلها تقرر الابتعاد عن حبيبها الذي تجمعه علاقة بعدد من الأخريات,لكن حملها منه يجعلها تفكر في قرار تركه.

اكبر أخطاء الفيلم كان السيناريو,الذي يعاني من شرخ كبير,فالقصة متواضعة وليس فيها أية إسقاطات حقيقية على المجتمع المغربي ,فالعنوسة التي تحدث عنها الفيلم لا تصيب الفتيات الغنيات الجميلات كما رأينا خلال أحداثه,بل هي تصيب الفتيات الفقيرات اللواتي يعانين من تواضع في الجمال,أما من صورهن الفيلم فعديد المغاربة يعتبروهن دجاجة بكامونها,ولا تصيبهن العنوسة إلا في حالات نادرة لا تستحق أن ينجز حولها فيلم ما.

أما الحديث عن الحجاب في الفيلم,فكأنك تحس أن المخرج ادخل هذا الموضوع فوق السيناريو كبعض التوابل التي تزيد من مبيعات الفيلم,الحجاب لم يوضع في سياقه الحقيقي داخل الفيلم,البطلة وضعت الحجاب على رأسها وصارت تتكلم بالحرام والحلال هكذا دون سابق إنذار رغم أنها ظهرت في بداية الفيلم كفتاة متفتحة لا يعنيها الدين في شيء,فلو كان المخرج ذكيا بعض الشيء لأعطى لنقطة تحول الفتاة إلى الالتزام الديني اهتماما كبيرا في حبكة الفيلم بدل أن يسيق الأمر على انه مجرد تأثر بقدوم شهر رمضان.

الفتاة الثانية تضع الحجاب فوق رأسها فقط لتتزوج, وهنا قد اتفق قليلا مع مخرج الفيلم ما دامت عديد الفتيات في مجتمعنا تقوم بهذا الشكل.دون أن أنسى أن مقتل اخو البطلة كان عبثيا إلى أقصى درجة,فهو يجد أخته المتحجبة تتأبط ذراع رجل في مناسبة ما,وعوض أن ينهرها يرمقها بنظرات غضب,ويتركها حتى تستقل سيارتها مع حبيبها,ليقوم بمطاردتها, ليصطدم بسيارة أخرى.

هناك عدد من المشاهد المجانية في الفيلم,خاصة المشاهد الجنسية التي دارت بين يونس ميكري وحياة بلحلوفي,فهي لا تخدم حبكة النص خاصة المشهد الجنسي الأخير الذي دار بينهما قبل نهاية الفيلم بلحظات׃فتاة تأتي متحجبة,تنزع حجابها بطريقة مهينة,تمارس الجنس,ثم تنهض لتقول لقد اقترفت ذنبا,تخرج بعض ذلك غاضبة,لم افهم ما الذي يحاول المخرج إيصاله بهذا المشهد سوى زيادة الجرعات الجنسية في فيلمه..

حوارات الفيلم طبعها كثير من التكلف والكلام المنمق,فمرة تلو الأخرى,يصيبني نوع من التأكد بان الأفلام المغربية غالبا ما تغيب عنها حوارات رومانسية في المستوى,كثير من أحداث الفيلم طبعتها حوارات ضعيفة,ولن أحاول عدها لأنها تشكل اغلب أحداث الفيلم,لأنها باختصار تؤكد ان هناك عملا كبيرا يستحق ان يبذل في الكتابة السينمائية المغربية خاصة التي تعنى بالجانب الرومانسي.

لن أعقب كثيرا على أداء الممثلين الذين كان متفاوتا,الحطاب بدور الرجل الملتزم كان مقنعا رغم أن ما يعاب على المخرج هو كونه أعطى لشخصية الرجل الملتزم بعدا ساذجا,حياة بلحلوفي بدور "الباتول" أداؤها لم افهمه صراحة ولا أرى أنها أصلا صالحة لهذا الدور ما دامت حتى لهجتها المغربية غير واضحة,يونس ميكري يكرر نفسه في اغلب أفلامه,فهو دائما ذلك الشخص المنفتح على الحياة والذي يجد نفسه قادرا على أداء أكثر الأدوار جرأة جنسية,أما صديقات الفتيات وهن سعدية لاديب,نجاة خير الله ونورة الصقلي,فقد كان اداؤهن مقبولا بالعموم.

باختصار,فيلم حجاب الحب,لا يقدم أي جديد في عالم السينما المغربية,فليس عيبا أن نتكلم عن الحجاب وعن الجنس في السينما,لكن العيب هو أن نجعل من هذين العنصرين مجرد وسيلة لجذب الجمهور متناسين أن السينما عملية إبداعية ناضجة تقدم للجمهور كي يعيد اكتشاف ذاته,فهي وسيلة ترفيهية وتثقيفية بأبعاد فنية تتلخص في طرح أسئلة حول اكبر هموم وقضايا الإنسان بشكل يخدمها لا أن يصيبها بالمرض كما فعل السالمي في فيلمه هذا الذي يعتبر بحق من أسوأ الأفلام التي قدمتها السينما المغربية مؤخرا.

The edge of heaven

The edge of heaven ...سفر إلى أعماق الذات الإنسانية


لرؤية بطاقة الفيلم التقنية المرجو الضغط هنا

لم أشاهد هذا الفيلم إلا بالصدفة,ولم أقم بتحميله إلا بالصدفة,وربما أن المثل القائل صدفة خير من ألف ميعاد كان خير واصف لهذه الواقعة,فقد خلت نفسي محملا لفيلم كوميدي فقط لتمضية الوقت,لكن يبدوا ان القدر لم يرد لي في تلك الليلة ان أغلف سهرتي بالرداءة واختار لي فيلما جادا لم أتوقعه بالمرة..

The edge of heaven إنتاج مشترك بين دور إنتاج ألمانية وتركية يحكي قصصا متنوعة او قصة واحدة تشعبت عنها عدد من القصص المميزة,ففي البدء اكتشفنا شخصيتين اثنتين هما الأب العجوز والمرأة المومس,تركيان يعيشان بألمانيا,لقاء قصير بينهما في الديار الألمانية كان كافيا لعلاقة لم تعمر طويلا,بعدما قتل الأب العجوز هذه المرأة في نوبة غضب,مما حتم على ابنه المثقف ان يبحث عن ابنة المومس في تركيا لكي يتكفل بمصاريف تعليمها,عودته إلى تركيا جعلته يقرر الاستقرار في بلده الأصلي دون العودة الى ألمانيا,في نفس الوقت ابنة المومس والتي تنشط في اطار إحدى الجماعات الاستقلالية هربت الى ألمانيا بعد متابعة الشرطة لها,وهناك ستلتقي بفتاة ألمانية حيث يكونان رفقة طيبة,لم يعكرها سوى اعتقال الفتاة التركية من طرف السلطات الألمانية وإرجاعها قسرا الى الديار التركية حيث يزج بها في السجن,الفتاة الالمانية تقرر ان تذهب الى تركيا لكي تساهم في مساعدة صديقتها وبالتالي ان تحاول إخراجها من السجن,لكن لم تكن تدري انها سوف تقتل في تركيا,مما حذا بأمها ان تأتي هي الأخرى الى تركيا لتتسلم جثمان ابنتها,وهناك تحدث تطورات أخرى في الفيلم...
                                  

قصة الفيلم متشابكة لدرجة كبيرة,ولعلي بالمخرج يحاول ان يقدم شكلا جديدا من الفن السينمائي لذلك عمد إلى هذه التقنية من السرد السينمائي المتشابكة,شخوص نحاول ان نتبع مسارهم فنجد أنفسنا نتبع مسار شخوص أخرى,عملية معقدة جدا قام بها كاتب السيناريو كناية عن مجتمعات معقدة وعن خيوط مكثفة بين مجتمعين يشتركان في عدد قليل من النقاط ويختلفان في عدد كبير منها...

الفيلم يحاول ان يبين للمشاهد ابرز معالم المجتمعين التركي والألماني,فهذا الأخير هو مجتمع متحضر فيه حقوق الإنسان وفيه نوع من التحرر الاجتماعي الظاهر في دور الدعارة والكباريهات بالإضافة الى مظاهر التقدم الإنساني المتجلية في الجامعات والقطارات الحديثة و مكاتب الهجرة,اما المجتمع التركي فهو مجتمع متناقض على شاكلة الكثير من دول العالم الثالث,مجتمع تجتمع فيه متناقضات كثيرة,فداخله تعشش توترات سياسية بين الأكراد والأتراك,وداخله تنتشر السرقة والعنف,لكن بالمقابل توجد معالم حضارة متميزة تظهر في الفيلم من خلال الموسيقى التركية الجميلة والمساجد الإسلامية التي كان لها دور قيمي حضاري في الفيلم أكثر من دورها الديني,دون ان ننسى طيبوبة الإنسان التركي وتعامله مع الأجانب بكل تلقائية وحبية...

في غمرة هذه المقارنة بين المجتمعين,نجد ان المخرج اظهر لنا عوامل تربط بين الإنسان التركي والألماني,فالأستاذ التركي المقيم بألمانيا حافظ على مبادئه وعلى قناعاته وعلى قيمه رغم انه يعيش في بلد مغاير,الأب الذي دخل السجن يبين الكبت الذي يعاني منه عدد من شيوخ العالم الثالث اللذين يتحررون في البلدان المتقدمة,المومس تبين ان المرأة الشرقية كثيرا ما تتنكر لحقيقتها في البلدان الأوربية,وكثيرا ما تختار أسهل الحلول في سبيل كسب لقمة العيش,او دعونا نقول ان الأوضاع الاقتصادية في بلد كألمانيا تحتم على إنسانة دون مستوى تعليمي محدد ان تعمل في الدعارة,الفتاة التركية توضح لنا قوة الشباب المتطلع الى خوض صراعات سياسية,الفتاة الالمانية تبين نموذج الفتاة الغربية التي يغلب عليها الطابع الإنساني,الأم الالمانية ترسم في الفيلم ملامح الإنسان الغربي الحذر من سلوكيات الإنسان المهاجر على اعتبار اختلاف البيئات وعدم تشبعه بالثقافة الغربية...
                  

في الفيلم تنكشف عدد من العلاقات,فهناك علاقة الجنس التي جمعت المومس التركية بالشيخ التركي,علاقة جنسية بحتة كشفت عن بعض السلوكيات السلبية للمهاجر الشرقي في البلدان الأوربية,هناك أيضا علاقة السحاق بين الفتاتين,والتي صورها المخرج بالعلاقة الحميمة التي جعلت منهما ان يكونا بهذا القدر من التلاحم,وربما ان المخرج لم يكن لديه حل آخر لتفادي هذه العلاقة على اعتبار ان الإنسان الألماني إنسان يفكر بعقله,ولما كان الحب متواجدا,فقد صار الأمر عاطفيا الى درجة النضال من اجل قضية سياسية تركية,أيضا هناك العلاقات التي جمعت الأستاذ التركي بالآخرين,فهي علاقات ملؤها الاحترام تعكس قيمة الإنسان المثقف وقيمة الثقافة في حياة الإنسان..

روعة الفيلم تكمن في كونه كان انجازا ثقافيا قبل ان يكون انجازا سينمائيا,ففي الفيلم تعزف سيمفونية التلاقي بين حضارتين مختلفتين,كما نجد حضورا قويا للكتاب من خلال المكتبة الالمانية وسط اسطنبول,دون ان أنسى ان قرار المرأة الالمانية تحقيق حلم ابنتها المقتولة يعكس ان الأمل لا زال موجودا في هذا العالم,وان الإنسانية طابع مشترك لا تفرقه الأديان أو الأعراق...

من الأمور التي أعجبتني في الفيلم,هو عامل المفاجأة,مثلا كنا نود ان تسترسل المومس في الفيلم,فيحدث الموت المفاجئ الذي خلخل عملية السير العادي للحدث,أيضا تمكن المفاجأة في مقتل الفتاة الالمانية في غمرة التشويق لدرجة ان المتلقي يأسف كثيرا لمقتل عنصر مهم من عناصر القصة ويجد نفسه مجبرا على تتبع مسار الأبطال الآخرين,وكأنني بالمخرج يحاول بعنصر المفاجأة ان يؤكد على غياب البطولة في فيلمه,فنحن نقر ان الفتاة التركية تشكل خيطا رفيعا للحدث,لكن أهمية الشخوص الأخرى تجعل من دور البطولة غير بارز,أو بالأحرى دعونا نقول أنها بطولة وهمية في زمن انتفت فيه معالم البطولة الحقيقية وصار الإنسان مجرد لعبة في أيدي القدر..
                            

إخراج الفيلم كان بالسهل الممتنع,فلم توجد مؤثرات بصرية ولا مشاهد جماهيرية كبيرة,وإنما عدسة كاميرا تحاول ان تعطي للمشاهد التناقضات التي يعيشها الشخوص,المخرج استطاع إيجاد توليفة مهمة من اللقطات والمشاهد الممتازة,منها مشاهد السفر,سفر الأستاذ التركي إلى بلده الأصلي,سفر الالمانية في سبيل إخراج صديقتها من السجن,وأكثرها جمالا مشهد سفر الجثمانيين,جثمان المومس التركي الذي عاد إلى البلد الأصلي,وجثمان الفتاة الالمانية الذي غادر مطار اسطنبول عودة الى ألمانيا,لقطة استعمل فيها نفس المشهد كناية عن ان الموت عامل مشترك بين البلدين وانه هو الآخر مجرد حلقة من حلقات  عالم الأحياء..

لغة الفيلم تنوعت بين اللغة الالمانية والتركية والانجليزية,تهجين لغوي ملحوظ,فالشخوص التي عاشت بين البلدين لمدة طويلة تفهم اللغتين الالمانية و التركية,والشخوص التي لا تعرف جيدا البلد الآخر كحالة الفتاتين,كانت الانجليزية لغة تواصلية استطاعت ان تجمع الفتاتين رغم اختلاف لغتهما الأم...

الفيلم يوفر للمتلقي فرجة سينمائية وإشباعا فنيا منقطع النظير,نهاية مفتوحة على كل الأصعدة لم يرد المخرج من خلالها ان يعطي إجابة لكل سؤال,لكنه قدم معالم نهاية سعيدة على الأقل للفتاة التركية التي وجدت من يتكفل بتعليمها والتي تحررت من حبال التجمعات القبلية,وبالتالي كانت ضرورة ان ينتصر العقل في النهاية,وان تعود الشخوص إلى علاقة الود,الأب لذي اقترف الجريمة يعود الى وطنه,الأم الالمانية تبقى في تركيا ,الأستاذ التركي يختار البقاء نهائيا في تركيا,نهاية حاولت ان تعطي بعض الأمل للمتلقي على اعتبار قسوة الخط الحكوي للفيلم...

ختاما,لا يسعني ,لا ان انصح كل عاشق للسينما الجادة بمشاهدة هذا الفيلم,لعدة اعتبارات أهمها انه نجاح في إيصال رسالة التلاقح الثقافي بين حضارتين مختلفتين دون الغوص في متاهات كبيرة,وانه فيلم موجه للإنسانية جمعاء يؤكد على ان الفرد سواء أكان غربيا أو شرقيا,فهو إنسان واحد له من التطلعات ما يكفي لبناء رؤية واحدة تتطلع إلى المستقبل وتنزع العوائق التي من شانها إضفاء مزيد من التوتر على علاقاتنا مع الآخر..

Kabhi alvida naa kehna

 الحب تحت رداء الخيانة
 


رغم ان كاران جوهار واحد من اروع المخرجين الهنديين المعاصرين,الا انني لم أعجب كثيرا بأفلامه الاولى مثل kuch kuch hota hai و kabhi khushi kabhi gham , ليس لأنها سيئة او دون المستوى,بل فقط لأنها لم تخرج عن حبال النمطية في القصة والميلودراما..

لكن هذا الفيلم المشهور kabhi alvida naa kehna  جعلني أبدل رؤيتي حول هذا المخرج واراه صار أكثر نضجا في تعالمه مع الأفلام بعيدا عن كثرة الميلودراما والمشاهد الدرامية القوية التي غالبا ما كانت سببا في هجر الناس لبوليوود,ففي هذا الفيلم المنتج سنة 2006 ارى ان كاران استفاد كثيرا من افلامه السابقة وقدم لنا واحدا من اهم الافلام في تلك السنة,بل واكثر من ذلك استطاع ان يجمع في فيلمه بين عدد من التوليفات أراها كانت حاسمة لجعل الفيلم مميزا وقابلا للمشاهدة اكثر من مرة..

قصة الفيلم وان ظهرت بشكل او بآخر درامية الى حد التضخم,فقد قدمها المخرج بشكل انسيابي جعلها سهلة الهضم لجمهور بولييود,شاروخان لاعب كرة قدم ماهر,تتبدل حياته بعد حادثة سير,مما يتسبب له في برودة العلاقة بينه وبين زوجته بريتي,في المقابل راني ابهيشيك يتزوجان في بداية الفيلم لكنهما لا ينعمان بالسعادة نظرا لان راني لم تشعر يوما انه تحب زوجها,هذا النقص الذي يعيشه شاروخان الفاشل وهو يرى زوجته الناجحة جعله يجد في راني صديقة مميزة,قبل ان تتحول صداقتهما الى حب جامح,كان سببا في افتراقهما عن زوجيهما وبنائهما لعلاقتهما الخاصة..

 رغم أن الفيلم لم يخرج عن بعض الأمور المتعودة في بولييود من قبيل مشاهد الحب والأغاني والمشهد النهائي حيث يجتمع العشاق,الا انه حمل نوعا من التجديد في السيناريو,فقد بنى المخرج علاقة الحب بين راني وشاروخان على اساس غرامي رغم ان المتلقي نظر الى تلك العلاقة كخيانة,وربما أرى ان الخيانة في الفيلم لم تكن مشجعة من طرف المخرج ,بل كانت الخيانة على حد استنتاجي نتيجة لعدم التفاهم ولدرجة البرودة في العلاقات الزوجية,فمن جهة شاروخان يحس انه إنسان فارغ ليست لحياته قيمة بعدما لم يعد بقدرته اللعب,وبالتالي كان عليه تقبل نجاح زوجته بنوع من الرفض الذاتي ,ومن جهة أخرى راني ترى في عدم قدرتها عن الإنجاب سببا كافيا لعدم نجاح علاقتها مع زوج لم تعرف لماذا اختارته..
                                              

الخيانة موضوع كبير وربما ان الفيلم لم يحاول معالجته بقدر ما أراد ان ينير بعض الطرق في هذا المجال,فهناك رسائل اجتماعية بالجملة أولها ان الإنسان الهندي تكون حريته اكبر في بلدان متقدمة على اعتبار ان الفيلم مصور في امريكا على شاكلة اغلب أفلام كاران جوهار,وثانيها ان الحب لا ياتي بالألفة او بالتعود,بل هو إحساس ياتي في وقت معين وقد يكبر خاصة ان كان الطرف الاخر الذي احدثه شخصا قريبا دون ان أنسى أن الخيانة لا يكون سببها دائما ان الشريك لا يسد احتياجات الزواج الجسدية والعاطفية,فبريتي زوجة شاروخان في الفيلم كانت في غاية الرقة واللطف شكلها شكل ابهيشيك الذي عامل راني بكل حب ومودة,وهكذا تتعدد أسباب الخيانة لتشمل عدم التفاهم مع الشريك حتى ولو كان في غاية التفهم.

من هذه النقطة,ادخل الى سلبيات الفيلم,فربما ان كاران جوهار بالغ كثيرا في طيبوبة ابهيشيك وبريتي,فأي فتاة تتمنى ان تحظى بزوج متفهم كابهيشيك,واي زوج يتمنى زوجة جميلة كبريتي,ولا أرى ان هناك داعيا وخاصة بالنسبة لراني ان تهجر رجلا طبيعيا وتتعلق برجل معقد الشخصية يعاني من أمراض نفسية,من ناحية اخرى هناك بعض المشاهد الزائدة في الفيلم,خاصة مشهد راني وهي تدخل على زوجها بلباس السحاقيات,ومشهدها وهي تدلك شاروخان في احدى المحلات التجارية,ومنها أيضا اغلب مشاهد القيصر اميتاب في الفيلم الذي ظهر بمنظر غير لائق وكان دوره مقززا واراه واحدا من اضعف أدواره في السنوات الأخيرة.

من السلبيات كذلك,اذكر المشهد الجنسي بين شاورخان وراني والذي لم يساق بطريقة فنية,فقد اظهر المخرج غريزة جنسية مفرطة في هذا المشهد,خاصة وأنهما ترصدا الخيانة بالذهاب الى الفندق لغرض الجنس,فان كان كاران بنى فيلمه على أساس الحب وليس الجنس فقد كان من الأفضل ان يجعل هذا المشهد أكثر فنية,مثلا أن تقع هذه العلاقة في بيت احدهما لدى زيارة الآخر دون سابق انذار..

دون أنسى ان طول الفيلم لم يكن مستحبا,فالفيلم يصل الى ال 3 ساعات,وهناك مشاهد كان من الممكن حذفها او التقصير منها,فالصداقة بين البطلين أخذت وقتا طويلا,وكنت اتمنى لو ان كاران جوهار قلص من دقائق الفيلم ليجعله خفيفا على ذهن المشاهد..
                                                  
فنيا,الفيلم كان اكثر من مميز على مستوى الإخراج,تحرك الكاميرا كان مميزا,لقطات في غاية الاحترافية,ومشاهد تبقى في الذاكرة,ومن هذه المشاهد المميزة في الفيلم اذكر مشهد إقرار الحب بين راني و شاروخان في محطة القطار,والذي من الممكن ان نراه في الرابط التالي http://www.youtube.com/watch?v=zbPwoE61yyE مشهد متميز للغاية يضاف إليه مشهد لقاء شاروخان ببريتي وراني في وقت واحد في الشارع http://www.youtube.com/watch?v=iQ-dQdKkUhc ,عبقرية فذة من المخرج في التعامل مع المشهد,وارى ان هذا ليس بجديد على مخرج متمكن مثل كاران جوهار..

حوارات الفيلم كانت أكثر من رائعة,كلمات مختارة بعناية ,من بين الحوارات التي أعجبتني الحوار الذي دار بين شاروخان وراني في محطة القطار بالإضافة الى الحديث الذي دار بينهما في اللقاء الأول مما أعطانا فكرة حول عنوان الفيلم الذي أراه عنوانا مميزا ساهم في إنجاح الفيلم دون أنسى حوارات أخرى كذلك الذي أشعرت فيه بريتي زوجها بأنه اقل مستوى منها,والحوار الأخير الذي أفضى الى لقاء الأحبة..

موسيقى الفيلم كانت في المستوى,الألبوم احتوى على أغاني جميلة أروعها أغنية التايتل,كما ان الموسيقى التصويرية امتزجت مع حوارات الفيلم وأعطته رونقا أخاذا..

أصل الآن الى الأداء,أداء الممثلين في الفيلم يستحقون عليه أكثر من التصفيق والإشادة,شاروخان كعادته كان مبدعا,تقمص الدور بكل ما انتظره المخرج,شخصية مركبة تعاني من مشاكل نفسية وفي نفس الوقت تحاول الانتعاق من واقعها,راني أعطت دورا مميزا بضحكتها البريئة وشخصيتها البسيطة,ابهيشيك تميز في دوره وظهر أكثر نضجا من عدة افلام سابقة له,أما بريتي فقد قدمت شخصية ذات كاريزما قوية,بجمالها الملائكي,وبحواراتها الصلبة ونضجها المعهود,فقط اميتاب هو من تخلف عن الركب وكانت شخصيته من بين نقاط ضعف الفيلم..

فيلم لا تقل وداعا,فيلم مركب يعالج ظاهرة اجتماعية معروفة,ربما انه لم يخرج من رداء بولييود بزج الحب الجامح في قضية اجتماعية شائكة,فالخيانة لا تفسر دائما   بعدم وجود الحب,ما دام الكثير من الناس كان الزواج سببا في تعلقهم ببعضهم البعض,لكن هذا لا يعني ان الفيلم فشل في تقديم رسائله بل بالعكس استطاع ولو بشكل محدود ان ينبه الناس ان الزواج لا يعني دائما ان الأمور بخير,واعتقد انه لو فهمنا هذه المسالة لاختلف الواقع كثيرا عن ما نشاهده حاليا من حالات الطلاق,وهكذا اشدد في نهاية هذا المقال البسيط على ان رهان الفيلم قد تم الوصول إليه,لأنك في نهاية الفيلم ستجد نفسك مجبرا على الغوص في دوامة التفكير في ماهية الحب وعلاقته بالخيانة الزوجية سواء ااحببت الفيلم أم لم تحبه.

تقييمي الشخصي للفيلم7 على 10 .

Wake up sid

  البساطة في أجمل تجلياتها..


لم أتوقع الكثير من هذا الفيلم عندما أردت مشاهدته,فالممثل رانبير كابور ممثل مبتدئ واراه لا زال لم ينضج بعد,وذلك على اعتبار ان فيلمه مع كاترينا كايف كان سيئا للغاية ولم يحمل أي جديد يذكر,لذلك شاهدت فيلم "wake up sid" وانا على يقين انه لن يكون سوى مجرد فيلم تجاري ليس فيه من الابداع شيء,فكرة مخطئة عن الفيلم لم تلبث وان تغيرت وحل محلها إعجاب شديد بالفيلم وبأداء الممثلون وخاصة الثنائي الرائع رانبير كابور وكونكونا شارما..

اقل جملة يمكن ان تصف هذا الفيلم المميز,هي :عندما تقدم لك البساطة فيلما رائعا,فانطلاقا من العنوان ومن البوستر ندرك اننا امام فيلم يدعو مراهقا للنهوض من سباته ومن حياته العبثية,والحق يقال ان هذه الفكرة حاضرة في الفيلم,لكن بشكل إبداعي وجمالي جعل منها فكرة مبسطة تحمل ورائها عددا من الرسائل وعددا من المضامين التي لا يمكن اختزالها في مجرد حياة شخص عابث او مراهق يريد ان يصير رجلا,مضمون الفيلم مضمون غني ومتشعب يعالج عددا من القضايا بطريقة السهل الممتنع او البسيط العميق بدون أي تكلف او تعقيدات من شانها ان تجعل القصة عسيرة الهضم لدى جمهور بوليوود...

"سيد " الفتى المدلل يعيش حياة مترفة,فهو ابن رجل غني وهذه الثروة جعلته لا يعبﺃ بنتائجه في الكلية حيث كان الرسوب حليفه,يلتقي ب "عائشة " ,وهي فتاة قدمت الى مومباي للبحث عن وظيفة حيث تستطيع ان تجد عملا ككاتبة في مجلة,بعد رسوبه مجددا وبعد مشاحنة مع اسرته,خرج بطلنا من منزله وذهب ليعيش مع صديقته في شقتها البسيطة,حيث سيتعلم الاعتماد على النفس من خلال عمله معها في نفس المجلة,مما يجعل علاقة الصداقة هاته تتحول الى علاقة ألفة ستتحول بمرور الأحداث الى حب حقيقي..

من خلال هذه القصة الظريفة,يقدم لنا رانبير كابور شخصية ذلك الفتى المدلل الذي لا يعرف شيئا باستثناء المرح,وكيف يعاني جدا بعد خروجه من منزله على اعتبار انه لا يتقن شيئا,فحتى طهي البيض لم يتعلمه الا بعد عناء,ببساطة بطلنا كان انسانا فاشلا لكن في داخله كان يمتلك موهبة التصوير,وهي الموهبة التي اكتشفتها فيه عائشة,مما حدا بها ان تدفعه في سبيل تطوريه وجعلها عملا يقتات منه’عائشة ليست سوى الممثلة المميزة كورنوكا شارما,تميزت شخصيتها داخل الفيلم بالطموح وبالنضج,فهي تطمح لان تكون كاتبة صحفية,وحتى فلسفتها في الحياة كانت هي الاعتماد على النفس وبالتالي كانت نظرتها الى سيد نظرة سلبية   الا من خلال منظار ذلك الصديق الطفولي,فطول الفيلم لا تكف تنظر اليه كمجرد صبي عليه ان يتعلم الكثير من الحياة في حين ينظر إليها هو فكمثال له في الكفاح وفي التطلع للأفضل...

ابداع التمثيل لم يتوقف فقط على هذا الثنائي,فهناك أيضا عائلة "سيد " وخاصة أباه "انوبام خير "الذي دائما ما نجده متميزا في أدواره,فهنا قدم لنا شخصية الاب الهادئ المثقف والواعي,اب يخفي صرامته داخل منظار التجربة في الحياة,اما باقي  طاقم الفيلم التمثيلي فقد أدوا أدوارهم في المستوى,دون تكليف او تعقيد يذكر,فأم سيد تنظر إليه بحنان منقطع النظير,لكنها لا تطلب من ولدها عدم مغادرة البيت,لأنها تدرك ان ولدها انطلق في رحلة الإدراك بحقيقة الحياة,وبالتالي فخروجه من المنزل شكل بالنسبة إليه فرصة ليكتشف نفسه من جديد,في رسالة واضحة لنا كمشاهدين بان الحياة هي المسؤولية وليس شيئا آخر..

رسائل الفيلم كانت متعددة,فبعد المسؤولية,نجد ان الطموح والعمل الشاق -وان لم يظهر كثيرا في الفيلم -يؤديان حتما الى النجاح,كما ان بعض الأشياء أن اعتنيت بها تصيرا أكثر جمالا وذلك من خلال اختيار عائشة لتلك الشقة رغم بشاعتها في البداية,بالإضافة الى ان النجاح في الحياة لا يختزل في مجرد شهادات جامعية على اعتبار نجاح سيد في حياته رغم رسوبه,فان تعي حقيقتك هو بداية النجاح,
كما ان الحب ليس سوى ذلك الشعور الذي نجده عندما نبحث عن شيء اخر,فعائشة لم تتخيل للحظة انها ستحب سيد,لكن كان هذا الحب هو من جعلها نحب مومباي وتنجح دون ان تعرف ان وصفة نجاحها ارتبطت بحب مخفي لهذا الصبي.

زاد من جمالية الفيلم ما نسميه بالسينيموغرافيا,أي خلفيات التصوير في الفيلم والتي أبدع فيها المخرج,ففي كل مشهد نشاهد جمال مدينة مومباي,كما لو المخرج يدعونا في الفيلم إلى نسيان مدينة مومباي المكتظة والمزدحمة لنكتشف وجهها المبدع من خلال شخوص وأحداث تناغمت مع هدف الفيلم,زد على ذلك ان السيناريو كان مميزا,والحوارات تناغمت مع شخصيات الفيلم,خاصة ذلك المقال الجميل والرائع والذي كتبته عائشة في حديثها عن قصتها مع مومباي..

بالتأكيد,هناك بعض الأخطاء في الفيلم والتي قد تجعله لا ينافس على جائزة احسن فيلم,ومنها اختزالية القصة وعدم استدعاء طرق جديدة من التصوير,زد على ان المعاناة لم تظهر كثيرا في الفيلم و الأغاني لم تكن بذلك البريق الأخاذ,إضافة الى عدم الواقعية في بعض اللقطات,لكن كل هذا لا ينفي جمالية الفيلم وتألقه,وربها ان هذه الأخطاء لن تظهر اذا انسجمنا مع الفيلم ومع احداثه الجميلة..

لن أزيد أكثر..لكنني اضمن للجميع فرجة مميزة مع هذا الفيلم,الذي بالتأكيد يدخل في قائمة أحسن عشرة أفلام السنة,كما أنني انوه وبحرارة بالممثلة كونكونا شارما التي بينت لنا جمال الفتاة الهندية الحقيقي بدون مساحيق تجميل او تنورات قصيرة,فهي ممثلة هندية في الصميم,وجمالها الهندي واضح على الشاشة دون الحاجة لتعرية مفاتنها او سكب كميات من الماكياج على وجهها,وفي هذا رسالة الى ممثلات الجيل الحالي ممن يعتقدن ان المشاهد الساخنة والملابس الفاضحة دليل على التميز..

gangster

قصة حب من عالم آخر ..

أتذكر جيدا أنني عندما علمت بنتائج مسابقة filmfare  لسنة 2006 انه قد أصابني نوع من الامتعاض عندما علمت ان بوليوود نحت جانب تفضيليا في أبعاد الأسماء والميزانية وليس أبعاد الإبداع والتجديد,وكأن السينما الهندية تصر في بعض الأحيان على التنكر لحقيقة أن الأجدر بالفوز هو الذي قدم العمل الأجدر طوال السنة...
لذلك ارى ان فيلم gangster  يبقى واحدا من أكثر الأفلام المظلومة لسنة 2006 رغم انه لاقى نجاحا جماهيريا ملفتا ورغم انه قدم إبداعا جديدا على بوليوود ورغم ان مخرج الفيلم anurag basu  قدم هنا واحدا من أهم الأفلام الهندية التي مرت في تاريخ السينما الهندية.
صراحة لم تجرني عواطفي لقول هذا الحكم على هذا الفيلم,فانا أعيد الفيلم أكثر من مرة كي انزع عن نفسي ذلك الانبهار بالصورة الذي قد تخلفه المشاهدة الأولى,لكن هذا الفيلم يأبى ان يحجب عني هذا الانبهار,فأحس صراحة كأنني أشاهد the god father  او Casablanca  وغيرها من الأفلام التي ستبقى عالقة في اذهان كل عشاق السينما,لان التجربة الغنية التي يقدمها لك anurag basu  في فيلمه تتعدى تجربة المتعة وتجعلك تفكر في عدد من الدلالات التي يزخر بها عالمنا والذي يتأرجح بين الخير والشر وبين الحب والحقد.
لذلك أرى ان وصف "قصة حب أخرى" جدير بوصف أحداث هذا الفيلم المميز,ولانني ليست من عادتي ان احكي قصة فيلم على اعتبار أن هذا الأمر موكول لكاتب السيناريو-أيضا كي لا أضيع عنكم فرصة متابعة الفيلم-فإنني سأكتفي بالقول أن الفيلم هو قصة حب بين فتاة ورجلين,احدهما مجرم قضت معه عددا من سنوات حياتها,والأخر موسيقي يحاول أن يجرها من عوالم السواد,ليبدأ معها حياة جديدة,في هذه الثلاثية يكتشف المتفرج نفسه وهو بين أسوار حياة ملؤها النفاق والكذب والبهتان,حياة تقدم لك الطالح على انه صالح فتفتن به وبكلماته المنمقة,وتقدم لك الصالح على انه طالح بعدما تحكمت فيه ظروف قاسية جعلته ينسى شيئا اسمه الفرح.
الفيلم كان من أداء الممثلة الصاعدة kangana ranaut   التي قدمت في أول أفلامها شخصية متناقضة تخشى من الفرح نتيجة تجاربها الشخصية المعقدة ,فبين فتاة المرقص والزوجة الهاربة والأم الموجوعة والعاشقة الهاربة من أسوار المجتمع,نجحت هذه الممثلة (كانت تبلغ في سنة 2006 فقط 19 سنة) في تحقيق صفات شخصية مركبة مما جعل منها ربحا جديدا لبوليوود, الممثل الثاني كان  emraan hashmi الذي استطاع تقديم ذلك الموسيقي بكل ما يحمله دوره من هدوء وتماسك قبل ان يقدم لنا حقيقته التي أذهلت كل المتلقين,اما نجم الفيلم فهو بكل تأكيد   shiney ahuja الذي قدم لنا دور المجرم بكل احترافية وبكل تقمص ممكن,فتراك تحس بألمه وكلمات عيونه ورغبته في إسعاد زوجته, shiney ahuja   قدم في هذا الفيلم درسا لكل عشاق السينما وهو أن الممثل لا يكون بالكلام فقط والحوارات الممتلئة وإنما يكون أكثر بالملامح وبقوة الشخصية وبالكاريزما,وللأسف فقليل من ممثلي بوليوود من يفهم هذا,وتراك تجد أن اغلب الممثلين الهنود يكثرون من الحوارات التي تفقد للدور بريقه.
مخرج الفيلم لم يجعل من فيلمه ميلودراما هندية تصل إلى 3 ساعات,بل جعل الفيلم مختزلا حتى في وقته,وربها هذه عادة شركة إنتاج   bhatt التي تجعل من وقت الفيلم محدودا,واعتقد ان هذا العامل كان مؤثرا في عملية نجاح الفيلم لأننا لا نتحرك قيد أنملة أثناء مشاهدة الفيلم,إضافة إلى عمل الصورة في الفيلم والتي استعمرها اللون الأزرق المغلف لأحداث الفيلم والذي يشبه نوعا من الحلم كما لو المخرج يحاول المزج بين عالم واقعي اسود وعالم رومانسي لا يوجد إلا في الأحلام,زيادة على أن السيناريو والحوارات كانت في المستوى الراقي,وكمثال على ذلك فحوارات kangana ranaut   كان بها نوع من النضوج ونوع من السخرية من الواقع عكس حوارات emraan hashmi  الذي اتسمت بالرومانسية والكلام الهادئ.
فضلا عن ذلك استطاع الفيلم في موقف مثير أن يجمع بين الاكشن و الدراما من جهة وبين الرومانسية من جهة أخرى,فالاكشن قدم باحترافية عالية وليس كعدد من الأفلام الهندية التي تضحك سخرية منها عندما ترى مشاهدها الحركية,اقول هذا الكلام على اعتبار ان كل اللقطات الحركية في الفيلم كانت واقعية إلى حد بعيد وزاد من جماليتها عدم كثرتها في الفيلم وكأنها تفسح المجال للرومانسية وللدراما بالتمثل في الفيلم,فالدراما كانت حاضرة من خلال الرومانسية,والرومانسية كانت حاضرة من خلال الدراما,لان مشاهد هاتين الثيمتين كانتا تكملان بعضهما في الفيلم,حتى يصير مستحيلا على المشاهد العادي ان يفرق بين الدراما والرومانسية في الفيلم اللهم من مشهد وحيد هو أغنية التي قدم لنا فيها المخرج لوحة رومانسية قلما تتكرر في الهند.
وبحديثنا عن الموسيقى,لا يفوتني أن اذكر بان البوم الفيلم يعتبر من أحسن الألبومات التي أنتجت سنة 2006 ,أغاني في المستوى والحان تدلف الى أعماق الروح,واعتقد ان الثيمة المهيمنة على الموسيقى كانت ثيمة الحزن فمن أصل 5 أغنيات في الفيلم فقط أغنيتان من تمتلكان إيقاع الفرحة,أما الثلاثة المتبقية فقد نجح المخرج الموسيقي في مزجها مع ايقاع الفيلم الحزين والمليء بالأحداث الإنسانية الكثيفة,لذلك أتمنى من كل عاشق للموسيقى الهندية أن يستمع لهذا الألبوم واعده انه لن يندم على ذلك.
مشاهد الفيلم مؤثرة للغاية لكنني أسوق منها مشهد إلقاء القبض على المجرم وهو بين ذراعي زوجته,مشهد بالتأكيد سيبقى عالقا في ذاكرة كل عاشق للسينما,فطريقة تحرك الكاميرا وضبطها للفضاء وللزمان,وأداء الممثلين والموسيقى التصويرية كلها عوامل جعلت من هذا المشهد مؤثرا,فمن الصعب على أي كان كف دموعه وهو يسمع صرخة المجرم التي تعاتب هذا العالم على خذلانه..
صراحة الحديث يطول ويطول عن رائعة gangster ,فانا أرى أن الفيلم يحقق إشباعا سينمائيا فريدا من نوعه,ويصيب المتلقي بما اسميه صدمة الإبداع,ففي الفيلم ستكتشف ان الشر قد يلبس قناع الخير والعكس صحيح,وذلك في تصوير لواقع مرير نعيشه على الأصعدة, فتحولت الحياة عندنا الى ما يشبه مطاردة حقيقية بين المبادئ وبين تراكمات النفاق والبهتان.

drag me to hell

رائعة سام رايمي الجديدة
 
في تاريخ السينما العالمية والامريكية خصوصا,كانت افلام الرعب من بين الانواع التي تنتج بكثرة وذلك راجع الى عدة دوافع منها انجذاب المشاهدين الى هذه النوعية من الافلام زيادة على سهولة التعاطي مع هذا النوع الذي لا يتطلب مبالغ مادية كبرى.

هذه الغزارة في إنتاج أفلام الرعب لم تقابلها غزارة في المنحى الإبداعي لهذه الافلام وخاصة الافلام التي شاهدناها منذ نهاية الثمانينات الى يومنا هذا,فاغلبها كانت افلاما بسيناريو ضعيف وبقصص تكون في الاغلب مقتبسة عن افلام الرعب الكلاسيكي,وهذا ما جعل سمعة افلام رعب تفقد بريقها على اعتبار ان الإتيان بقصة رعب جديدة وبسيناريو قوي صار شيئا صعبا لان الافلام الكلاسيكية اتت على اغلب افكار الرعب.

من هذا المنطلق ياتينا فيلم drag me to hell  بمخرجه المقتدر sam raimi  بفكرة جديدة وبسيناريو قوي جعل الضوء يتسرب من ثقب عتمة افلام الرعب,فقد نجح هذا المخرج الذكي في ابداع فيلم يعود بنا الى الزمن الجميل حيث نرى الرعب ونفتن به وليس مثل عدد من الافلام الحديثة التي يسخر فيها المشاهد من الفيلم,ف"جرني الى الجحيم" فيلم يجعلك ترفع له القبعة وذلك من حيث عدد من الامور.

اولها القصة المتميزة والتي عاد فيها سام رايمي الى أسطورة اللاميا,وهي أسطورة إغريقية قديمة تحكي على ان هذه اللاميا كانت فتاة فاتنة الجمال وقد اغرم بها زيوس رب الالهة,وتزوجها سرا عن زوجته,لكنها علمت بالامر في نهاية المطاف وقامت بتحويل اللاميا الى كائن نصفه من انسان ونصفه الاخر من افعى كما انها قامت بقتل اولادها وجعلتها معذبة في الارض,مما جعل اللاميا تكره شيئا اسمه الحب بل وصارت تختطف كل طفل تجده وتقتله لانه يذكرها بابنائها المقتولين.

  اسطورة اللاميا اضاف لها سام رايمي بعدا جديدا في الفيلم فنحن نكتشف ان هذه اللاميا صارت تسكن الجحيم لكنها تعود المرة تلو الاخرى الى عالم البشر لتسرق بعض الآدميين وتأخذهم في رحلة جهنمية لا احد يعرف معناها,وهذا شيء يحسب لمخرج مثل سام رايمي صاحب الثلاثية الخالدة موت الشيطان,على اعتبار ان التجديد في الاساطير القديمة شيء ليس بالهين ,زد على ذلك ان سام رايمي اضاف بعض النكهات في الفيلم من قبيل التعاويذ السحرية التي توجد في امريكا اللاتينية وهو بهذا قام بعمل توليفة مميزة: قصة من بلاد الاغريق,تعاويذ من امريكا اللاتينية وحدث يقع في امركيا.

الامر الثاني الذي يحسب للفيلم هو السيناريو القوي والمميز,حوارات في المستوى تجعل الفيلم يمر بسلاسة وخفة خاصة وان كل هذه الاحداث تمر في ظرف لا يتجاوز ال3 ايام,والفيلم بهذا يبتعد عن الافلام التي تحمل زمنا طويلا ليذكرنا بالقصص القديمة كموت الشيطان و منشار تكساس, وزاد على جمالية السيناريو البداية النارية للفيلم التي تعطينا فكرة عامة عن الفيلم وذلك في تطابق تام مع البنية المعروفة لافلام الرعب المميزة.

موسيقى الفيلم حملت نوعا من التماهي مع احداثه فمع البداية تسمع موسقى رهيبة للغاية تشبه الى حد كبير موسيقى دراكولا,وزاد من رونق الموسيقى خاصة تلك التي استعملت في مشهد تحضير روح اللاميا انها ذات ايقاعات مختلفة وانا انصح كل واحد بتحميل هذه الموسقى لانها تعيذ الى الاذهان الموسيقى الخطيرة التي طالما تميز بها الرعب على مدى التاريخ.

الامر الثالث المميز هو اداء الممثلين في الفيلم الذي كان في المستوى,فاداء الممثلة التي ادت دورالسيدة كانوش كان رائعا للغاية بشكل جعلتنا نتذكر من خلاله شخصيات الرعب القديمة بكل بشاعتها وقبحها,شخصية شريرة ظهرت فقط في بعض لقطات الفيلم لكنها كانت كافية لاحداث نوع من الدهشة لدى المشاهد بمشهدها المخيف وبقوة اداء تعابير وجهها,اما الممثلةalisson lohman  التي ادت دور البطولة فقد كانت في مستوى الحدث,صورت لنا تلك الفتاة البريئة الجميلة التي تنزل عليها اللعنة فلا تعرف كيف تتصرف,اداء تلقائي وعفوي في فيلم رعب,فانت كمشاهد تشفق على هذه الفتاة الجميلة التي تصبح ضحية لروح شريرة تريدها في الجحيم رغم انها لم تقترف ذنبا,وهذا بالطبع نقطة تضاف الى المخرج.

مشاهد الفيلم صورت بكثير من الحرفية والاتقان,كمشهد المعزة وهي تتكلم,ومشهد العين التي تنبثق من الكعكة ومشهد المقبرة وخاصة المشهد الاخير وهو المشهد المؤثر أي عندما خطفت اللاميا البطلة,كلها مشاهد تبين نوعا من الحرفية في التعامل مع الفيلم فالمخرج ابتعد عن المشاهد المقززة من قيبل تقطيع الرؤوس والقتل فحتى من يموت في الفيلم يموت بطريقة هادئة بعيدة عن التقتيل وهذا يبين ان الرعب السائد في الفيلم هو رعب القصة الذي يعتمد على السيناريو القوي وليس مثل رعب الصورة الذي يعتمد على مشاهد القتل.

ان أردنا تبيان بعض اخطاء الفيلم فسنجدها قليلة ,فمثلا السبب الذي جعل اللاميا تتبع الفتاة لم يكن مقنعا بشدة على اعتبار ان المشعوذة كانوش لم تمتم الا ببضعة كلمات اراها غير كافية لجر روح شريرة كاللاميا,فحبذا لو ان المخرج توقف عند هذا الامر واعطى لمشهد موقف السيارات بعدا اخرا يبين فيه صعوبة جذب روح كاللاميا خصوصا وان الخطأ الذي ارتكبته الفتاة كان صغيرا(عدم اعطاء المرأة مهلة اخرى),زد على ذلك انه في مشهد تحضير الروح الشريرة تكلمت اللاميا باللغة الانجليزية رغم ان التعويذة التي اتت بها كانت باللغة الاسبانية,بالاضافة الى ان البطلة في الفيلم بالغت في ملامح البراءة لدرجة يحس المشاهد كيف ان فتاة مثلها تستحمل خطرا كبيرا مثل هذا الخطر؟؟
هذه الأخطاء لا تمنع من القول ان الفيلم مميز للغاية واراه احسن فيلم رعب انتج مؤخرا,خاصة وانه يملك كل مقومات الفيلم الناجح,وهذه دعوة حقيقة لكل عشاق الرعب للاستمتاع بهذه المعزوفة الجميلة التي تبدعها سام رايمي.

تقييمي الشخصي للفيلم 8 على عشرة.

Leon the professionnal

خلف كل قاتل, يعيش قلب نابض..
                          

تكمن عظمة السينما في كونها تجمع مجموعة من الانواع,فبين الدراما
والكوميديا والاكشن والرومانس والرعب والتاريخ والفانتازيا وغيرها من الأنواع الأخرى,يتمشى عاشق الفن السابع ليختار له ما يناسب ذوقه من هذه الافلام,والأجمل في هذه الاخيرة هو انها في بعض المرات تجمع عددا من الانواع,فبعض الافلام لا تكتفي بالنمط الواحد بل تجمع بين عدة صيغ لتصوغ لنا منتوجا ابداعيا فريدا يستحق كل الثناء والتقدير.

من هذا المنطلق,يأتينا فيلم leon  المحترف بصبغة فنية تجمع بين الاكشن والدراما والتشويق,فبدل ان نرى ذلك ثيمة مهيمنة على الفيلم,استطاع المخرج المقتدر luc busson   ان ينحث كل هذه المواد في قالب سينمائي فريد من نوعه,انتج سنة 1994 أي سنة الانتاجات العظمى في هوليوود,وكان من اداء الممثل الفرنسي القدير jean reno   في دور القاتل المحترف, والممثلة المميزة natalie portman  في دور الفتاة التي قتلت عائلتها,والممثل المميز gary oldman  في دور رجل الشرطة المتورط في اعمال المخدرات,اما بخصوص قصة الفيلم فالكل يعرفها ولا باس بالتذكير بها.

ماتيلدا طفلة تعيش مع عائلتها في احد المباني,الجو السائد في هذه العائلة هو التوتر على اعتبار انها تعيش مع زوجة ابيها ومع اب لا يعرف معنى الحنان,في الجانب الأخر ليون قاتل محترف يستأجر شقة في نفس المبنى,ويكون من غريب الصدف ان يكون شاهدا على جريمة مقتل كل عائلة ماتيلدا باستثناء هذه الأخيرة التي كانت غائبة في ذلك الوقت ,مما يجعله يقبل بان يبقي الفتاة معه التي لم يبقى لها احد في الدنيا,هذه الرفقة ستكون سببا في رغبة الفتاة تعلم القتل للانتقام,وستكون سببا أيضا في علاقة حميمة بين ليون والطفلة الى درجة ان هذا القاتل المحترف قرر ان ينتقم للفتاة بنفسه من ذلك الرجل مهما كلفه الامر.

روعة الفيلم تكن في عدة أمور أولا الاكشن المتقن,فمنذ بداية الفيلم ومع المشهد الاول التي اقتحم فيه ليون احد المباني تدرك انك أمام مخرج قدير يعرف كيف يقدم الاكشن في طراز مميز دون المبالغة وكثرة التفجيرات ,فالاكشن في الفيلم لا يلعب بالقوة بل بالذكاء وهذا تجلى خاصة في المشهد الأخير الذي أراهن على انه واحد من اقوى المشاهد السينمائية في تاريخ الاكشن,حيث تشاهد نوعا من الخدع المميزة في هذا المجال والتي تبين ان المخرج كان يعي ما يفعل,هذا الوعي تجسد ايضا في عدم إثقال الفيلم بحركات الاكشن,فان استثنينا البداية والنهاية وبعض اللقطات في وسط الفيلم,فلم نرى أي اكشن وهذا راجع الى الخاصية الثانية التي تمتع بها هذا الفيلم,وهي خاصية الدراما,فبعد ان عرفنا شخوص الفيلم,وبعد ان عرفنا سير الاحداث,يجعلنا المخرج نحاول اكتشاف الجوانب الخفية في هذه الشخوص في محاولة مميزة لاضفاء اجواء درامية على فيلم ابتدأ على ايقاعات النار.

هذه الجوانب الخفية تتمظهر في شخصية ليون الذي ينظر الى الفتاة في بادئ الامر كدخيل على حياته الخاصة,خاصة وهو ذلك الشخص الذي لا يعرف معنى البهجة في الحياة والذي لا يشغله سوى هاجس إتقان عمله مهما كلفته الظروف,لكن هذه النظرة لا تلبث وان تنمحي خاصة وهو يكتشف انه أخفى جانبه الإنساني منذ زمن وبالتالي كان لزاما عليه ان يعود الى الحياة الطبيعية عبر فتاة كان يرى فيها تلك الابنة التي لم ولن يرزق بها ابدا,اما بالنسبة للفتاة ورغم انها لا تتجاوز13 سنة الا انها تصر على انها تجاوزت ال 18 سنة وذلك رغبة منها في ان تكون حبيبة لهذا القاتل المحترف الذي استولى على إعجابها,هنا اصفق صراحة على ذكاء الخرج فرغبة الفتاة في الانتقام جعلها تتناسى انها لا تزال صغيرة السن,بل وأصرت على انها بالغة وان بمقدورها ممارسة الجنس مع ليون,كل هذا لكي تقنع هذا الأخير انها قادرة على اثبات ذاتها كشريكة عمل,وربما ان هذه الرغبة هي التي دفعت بليون بقتل بعض من تورطوا في عملية قتل عائلتها,فهو يرى ان بجانبه فتاة قوية استولت على تلك الأراضي القاحلة التي كانت في قلبه وحولتها الى جنة,وهذا يظهر من خلال الحوار الاخير الذي دار بينها حين صرح لها انها اعطت لحياته معنى.

من الامور المميزة في الفيلم هو الاداء,وخاصة اداءjean reno  فقد قدم هنا ذلك الشخص الأربعيني الكهل القادر على إتمام عمله بكل اتقان,وهو بهذا يقدم دليلا قاطعا على عالمية هوليوود,فهو ذلك الممثل الفرنسي المميز الذي يستطيع تقديم الدراما والاكشن والكوميديا وحتى لكنته الانجليزية تجعله واحدا من عمالقة التمثيل في هوليوود,ايضا اداء natalie portman  كان متميزا فقد لعبت دور فتاة صغيرة تحاول التنصل من طفولتها لتركب عالم البالغين بكل قسوته وبكل تناقضاته.

قصة الفيلم ومن شدة جماليتها رأيناها في عدد من الاقتباسات ,وخاصة في السينما الهندية التي قدمت سنة 2000 فيلم بعنوان bichhoo  كان مقتبسا عن هذا الفيلم والأكيد انه لن يصل الى روعته وجاليته,لكن ما يحسب للفيلم الهندي هو ذلك الاداء الأسطوري من بوبي ديول الذي ادى دور القاتل المحترف بجدية منقطعة النظير,وهذا هو ما الشيء الوحيد الذي تفوق فيه الفيلم الهندي على الأمريكي,فقد كنت اتمنى لو ان اداء jean reno حافظ على جديته لكنه في بعض اللقطات تحس انه انسلخ عن وصف القاتل المحترف,وربما ان هذا لعبة من المخرج لانني لا أتمناها هفوة من ممثل كjean reno.

الفيلم يحتل المرتبة ال 35 في قائمة أحسن الافلام على مدى التاريخ ,والأكيد انه يستحق هذه المرتبة,لانك من الصعب ان تحبس دموعك وأنت تشاهد تلك النهاية الحزينة في الفيلم,ومن الصعب ان تخفي إعجابك بهذه القصة الإنسانية المميزة,وخاصة لا اعتقد ان احدا سوف ينسى منظر تلك النبتة التي طالما حافظ عليها ليون وحافظت عليها ماتيلدا بعد موته,وهذا يدل على الجانب الانساني من القتلة,فهم في النهاية بشر لهم من الأحاسيس ما تجعلهم يحبون شيئا حتى ولو كان مجرد نبتة يسقيها كل صباح.

نهاية الفيلم كانت مميزة للغاية,فليون تم قتله على أيدي الشرطة,ومن قتل عائلة الفتاة تم قتله من طرف ليون,والفتاة عادت الى مدرستها بعد ان عاشت اياما عصيبة وتلك النبتة عادت الى الارض لتسقى من مياه باطن التربة,هذا مجرد دليل على ان الانسان يعود لاصله مهما كلفته الظروف,وان من دخل عالم الجريمة سوف ينتهي فيها حتى ولو قرر في اخر لحظة الإقلاع عنها,وربما ان مخرج الفيلم لم يرد لليون ان يعيش,فلو اراد المخرج ذلك لاعطانا خدعة درامية في النهاية تجعل ليون يعيش مع فتاته,لكن هذه النهاية السعيدة ليس لها مكان في حياة قاسية لا تعطيك الا كما اعطيتها,وليس لها مكان في عالم قذر ابتلع ليون وحكم عبيه بالموت من اول رصاصة انطلقت من مسدسه.

خلاصة الامر.. leon the professionnal  فيلم يستحق المشاهدة اكثر من مرة على خلفية انه ابداع حقيقي يحقق لك حلى أنواع الإشباع السينمائي اللذيذ.

الرومانسية الامريكية


لطالما كان يشغلني سؤال عن ماهية الرومانسية في الابداع السينمائي وعن طريقة تصوير اللقطات الرومانسية بكل جنونها وبكل فانتزايتها في العمل الابداعي..فالحب مسالة تتعلق بشؤون القلب حيث يمكن ان تنتظر من قصص الحب أشياء لا تصدق ما دام العقل لا يستطيع ان يحكم على مسائل تتعلق بالعواطف وبجنون الانفعالات..

لذلك فاغلب قصص الحب العالمية تميزت بهذا النوع من الجنون في التعامل مع احداثها ونعلم ان كل الشعوب كانت لها في سابق العهود قصص حب تميزت بالوله والجنون,فالشعب الهندي لا زال يحتفل بقصة ديفداس والشعب العربي لا زال يتذكر قصة قيس وليلى,وفي انجلترا لم ينس احد رائعة شكسبير روميو وجولييت..

من كل هذا وذاك نخلص الى ان الرومانسية مرتبطة بلحظات العشق التي على الكاميرا ان تكون محترفة في التعامل معها والا فان العمل الرومانسي سيفقد واحد من اعظم مكوناته..لذلك فالتساؤل الذي يطرح هو هل تعاملت هوليوود بهذا الشكل مع افلام الرومانس؟؟

قبل ان نجيب على هذا السؤال,علينا ان نطرح سؤالا عن ماهية الانسان الأمريكي,هذا الإنسان الذي اثرت فيه الحياة السريعة بكل تجلياتها,فاغلب الممثلين الامريكيين الحاليين هم نتاج المجتمع الأمريكي القائم على الرأسمالية المتوحشة وعلى قانون السوق,مما يجعل من الحياة في أمريكا سريعة وغالبا ما تكون الفلسفة السائدة هي عش اليوم اولا ثم انظر للغد ثانيا,وذلك بسبب صخب الحياة في هذا البلد حيث تتوالد الشركات كل يوم وترتفع اسهم البورصة في ثواني وتنخفض ويدخل من الحدود آلاف اللاجئين ويسرح هذا المعمل او ذاك في يوم واحد عددا من العمال...

في خضم هذه الحياة الصعبة,يصير الانسان الامريكي اقرب الى العقلانية منه الى إعمال العواطف,فهو لا يكتفي بعلاقة حب واحدة ما دام يعرف انها ستنتهي قريبا,ومن هذا المنطلق,سوف ننظر الى حضور الممثل الأمريكي في الرومانس.

لنأخذ مثال فيلم the notebook  ,فيلم اشتهر مؤخرا بانه واحد من اقوى افلام الحب في السنوات الاخيرة,لكنني عندما شاهدته لم اجد ذلك الطعم الذي عادة ما يكون في الرومانسية,فرغم ان القصة جيدة الى حد ما ,ورغم ان الاخراج اعطى للفيلم حقه,ورغم ان الاداء التمثيلي كان في المستوى,ا لا ان ما نبحث عنه من وله الرومانسية لم يكن موجودا,وحتى ان وجد فقد كان مليئا بعدد من الاخطاء اما على مستوى الشكل العام للفيلم او لطبيعة الممثل,فمثلا الممثلة في الفيلم تقول لنوح أنها تحبه وعندما تذهب الى خطيبها الاخر تصر ايضا على انها تحبه,ثم كيف لحبيبين لم يريا بعضها البعض منذ 7 سنوات ورغم كل هذا البعد وعوض ان يكون اللقاء فرصة لاستعادة الذكريات,فقد كان الجنس هو النقطة المشتركة التي كانا ينتظرانها منذ زمن في مشهد قتل جمالية الصورة في النهر,زد على ذلك اننا لا نعلم شيئا عن مرض البطلة وكيف تحولت الى عجوز في مستشفى للامراض العقلية,ثم اللقطة الاخيرة فكيف توفيا الحبيبان لمجرد انها تمنيا الموت معا؟...

هناك أخطاء بالجملة في الفيلم,وربما ان كان الوقت يسع لكانت هناك صفحات من ذكر هذه الاخطاء,لكن علي ان اكون صريحا,هذه الاخطاء لم تأت من الإخراج او القصة بصورة كبيرة,بل اتت من طبيعة الزمان والمكان والشخوص الذين أدوا الفيلم,نقول ما نقول ونعود لنقول ان الفيلم من وحي هوليوود وبالتالي من الصعب على ذلك الانسان ذو الحياة السريعة ان يغير من جلده لينسج لنا قصة حب رائعة الأبعاد.

 من الافلام التي لقيت صدى مؤخرا في مجال الرومانس فيلم sweet november  ,وبنفس شكل فيلم the notebook  فطبيعة الممثل الامريكي حرمتنا من رؤية قصة حب كما عهدناها في الكتب الكلاسيكية,فان تكون لفتاة قصة حب كل شهر او كل سنة فقط لانها ستفارق الحياة,فهذا فيه نوع من الاستخفاف بجمالية هذا الشعور النبيل,لان من يحب لا يستطيع ان يتخيل شخصا اخر ياخذ مكان المحبوب,دون ان انسى ان فيلم a walk to remember  كان جيدا  الى حد ما لكن ليس الى درجة تقمص ادوار الحب بكل تلك التلقائية والعفوية التي ننتظرها من افلام الرومانس...

من الامور السلبية التي اراها مشتركة بين اغلب الافلام الرومانسية في هوليوود هو عدم اعتمادها بصورة كبيرة على الموسيقى التصويرية,ففي كثير من هذه الافلام تجد ان بعض اللقطات الوقوية كانت تستلزم موسيقى تصويرية في قمة الحدث,لكن لا ادري لماذا لا يحاول المخرجون الامريكيون الاستفادة من بعض المعزوفات الشرقية التي غالبا ما يكون لها رونق مميز في الافلام,ولا اريد ان اتوسع في ان الافلام الهندية تنجح في كثير من الاحيان بالموسيقى التصويرية التي تستعملها خاصة في الافلام الرومانسية.

اعترف انني لم اشاهد الافلام الكلاسيكية القديمة لكي احكم عليها,لكنني اعتقد ان هناك بعض الاستثناءات في السينما الأمريكية حيث شاهدنا قصص حب تجسدت على الشاشة بكل ما تحمل الكلمة من معنى,ومن الافلام المميزة التي لن أنساها اذكر فيلم Titanic  ,لن تسعني الاسطر لذكر جمالية هذا الفيلم لكن للامانة فقد كان لوحة من الابداع,خاصة اداء كل من بالاضافة الى روعة التصوير والمكان واستناد الفيلم على احداث واقعية كل هذا جعل من الامل باقيا لكي نرى رومانسية حقيقية في هوليوود التي غالبا ما تتقن الاكشن والدراما والإثارة والانميشن والرعب,الا الرومانس لا زال ناقضا حيث تحس ان هناك عملا ما يزال ينتظر القائمون في مجال السينما.

 قد يطرح سؤال اين يمكن ان نجد الرومانس في الابداعات السينمائية, قد يقول احد انني افضل هذا النوع عن ذاك,لكنني للأمانة اعشق الابداع متى كان زمنه او موطنه,والحقيقة تقول ان السينما الهندية استطاعت في كثر من المرات إبداع أفلام رومانس مميزة والمثال هو فيلم u me aur hum   هذا الفيلم هو مقتبس بعض الشيء من فيلم the notebook  لكن المخرج كان ذكيا فقد استفاد من أخطاء النسخة الأمريكية ليبني لنا فيلما رومانسيا متميزا يستحق المشاهدة اكثر من مرة,فقد استهل الفيلم من مكان واحد وانهاه من نفس المكان, بالإضافة الى انه ركز في النصف الثاني من الفيلم على مرض البطلة ودور هذا المرض في تطور الاحداث ودخولها المستشفى.

  ختاما,كل ما ذكرت لا يعدو وان يكون سوى اجتهاد شخصي ووجهة نظر لا اقل ولا اكثر,فكمشاهد نهم لهوليوود لا أزال انتظر بعض الابداعت في مجال الرومانس وان كان الانتظار صعبا على اعتبار ان هناك ظروف اخرى تتحكم في ماهية الإبداع في هوليوود تجعل من الرومانس تلك العثرة التي لم تتجاوزها السينما هناك بعد.

The Pursuit of Happyness

كافح من اجل حلمك.. 
 

منذ مدة وانا ابحث عن فيلم هوليودي يترك في اعماقي ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه عندما تشاهد إبداعا ما,وبالصدفة شاهدت قبل ايام هذا الفيلم المتميز لويل سميث,فأدركت فعلا انني كدت امنع نفسي من مشاهدة هذه الرائعة الذي أنتجت سنة 2006.

البحث عن السعادة يشغل كل واحد منا,وربما أن البعض منا تحول هذا إلى هم حياته الاول,من هذا المنطلق اتى مخرج الفيلم Gabriele Muccino  بهذه الفكرة الاجتماعية التي تؤرق بال الكثيرين وبدل الخوص في متاهات اجتماعية عميقة,انطلق المخرج من بساطة الفكرة ومن تلقائيتها,لكن هذه البساطة تظهر عميقة من خلال الاشتغال عليها في الفيلم وحتى دلالاتها على ارض الواقع,فالبحث عن السعادة قد يعرفه البعض ببضعة كلمات لكن في الحقيقة قد تاخذ منك السعادة لتحقيقها عمرا كاملا او اكثر...

جمالية الفيلم انطلقت من الفكرة وتجسدت اكثر بالقصة,حيث نرى إنسانا عاديا متزوجا يقوم ببيع الآلات الطبية,شخص تكالبت عليه المحن المادية من كل جانب,فهو مطالب بادا ء أجرة الكراء ودفع فواتير تعليم ابنه بالإضافة الى فواتير اخرى رغم ان تجارته ضعيفة الى درجة ان زوجته ستهجره بعدما تيقنت أن زوجها معدم ماليا ولا يستطيع الانفاق على الأسرة,وفي خضم هذه الدوامة من المشاكل,ينجح الزوج في العثور على تدريب لمدة 6 اشهر في احد مراكز البورصة لتأهيله للعمل,واثناء هذه الاشهر الست,يذوق كل أنواع المرارة بدءا بعدم لقيانه لمسكن يقيه هو وابنه الوحيد,مرورا بعدم نجاعة تجارته البسيطة زيادة على مشاكل اخرى جعلت منه يعيش في العراء حتى استطاع في نهاية المطاف ان ينجح في اختبار التدريب ويحقق حلمه بالعثور على عمل قار.

قصة الفيلم لا تمر فقط بطريقة متسلسلة ودرامية بل تجرك الى أعماق الشخصيات خاصة شخصية البطل التي اداها ويل سميث بكل احترافية,ففي كثير من المشاهد تود لو تذرف الدمع إشفاقا منك على هذا الرجل الغير المحظوظ,خاصة في مشهد مبيته هو وابنه في المرحاض,او مشهد إضاعته لفردة حذاءه,او مشهد حبسه في السجن,وفي كل لقطة من الفيلم الا وتحس ان هذا الشخص قد اكتوى بما يكفي من نار الفقر وان على القدر ان يجد نهاية لآلامه,عدد من المشاهد المؤثرة في الفيلم ستبقى دون شك في ذاكرة كل عاشق للسينما,ففي عز الألم والتمزق,يقول ويل سميث لابنه بان عليه المضي قدما في تحقيق احلامه دون الاكتراث لما يقوله الاخرون,وكاني بالمخرج يقول للمشاهد ان لا شيء يأتي بالنوم وان العمل الجاد يوصل صاحبه الى النجاح مهما بلغت قساوة الظرف وصعوبتها.

مخرج الفيلم الايطالي Gabriele Muccino يعتبر هذا اول افلامه في هوليوود, وكم كانت تجربة ناجحة جعلته يكتب اسمه بذهب في تاريخ السينما العالمية,فهو في الفيلم لم يجعل الاحداث تتشابك ولم يستدعي كما من القصص او الشخوص,فقد اكتفى بقصة وحيدة هي قصة هذا الرجل مع الكفاح,واستطاع ان يبينها بطريقة السهل الممتنع,فالفيلم موجه للجميع, لكنه ليس بذلك الفيلم التجاري المحض بل هو فيلم على الجميع ان يشاهده سواء اكنت ناجحا في حياتك ام ولا ,سواء كنت رجلا او طفلا,فقيرا ام غنيا,الجميع عليه مشاهدة هذا الفيلم التعليمي الاجتماعي,وهذا بالضبط هو الانجاز الذي استطاع هذا المخرج تحقيقه,فمن الصعب ان تنتج عملا يراه الجميع بجميع التطلعات وبنفس التاثير.

من الامور الرائعة في الفيلم هو أداء ويل سميث,هذا الممثل المميز الذي يستطيع القيام بكل الأدوار والذي يستطيع إبداع عدد من المهمات الصعبة,فعندما تراه في افلام اخرى كالصبية المشاكسون تقول انه ممثل كوميدي فقط,لكن هنا ينجح في تقديم شخصية ذلك الانسان البسيط الذي ينظر الى الحياة ببساطة دون تعقيد رغم ان الحياة تعاكسه,فلا اعتقد ان أحدا أخر لو كان في مكانه سيقوم بمثل هذا التقمص لهذه الشخصية المركبة بكل انفعالاتها وبكل انكساراتها,وزاد من تألق ويل سميث ذلك الصبي الذي يشاركه دور البطولة,فالبراءة التي قدمها هذا الطفل جعلت منه مشاركا فعليا في عملية الإبداع التي خطها مخرج الفيلم.

ان الواقعية في الطرح السينمائي لها من التميز والدلالات ما يجعلها عنصرا لا محيد عنه في السينما بشكل عام,واعتقد ان هذا المخرج الايطالي يعشق ان يتكلم عن الواقع,ليس بداعي الثرثرة او حتى تبيان الجوانب السيئة التي يعج بها واقعنا,بل بخلط عناصر التجربة السينمائية الواقعية ففي الفيلم شاهدنا شظف العيش وصعوبة اثبات الذات في بلد كأمريكا,لكن رأينا في نهاية الامر كيف تحول الحلم الى حقيقية وتحولت المعاناة إلى فرحة,وربما ان المخرج يعاتب الولايات المتحدة على رأسماليتها المتوحشة والتي جعلت عددا من المهن الصغيرة تندثر او تنمحي,فان أردت ان تعيش في بلد كامريكا,فعليك ان لا تعطي اهمية كبرى للقيم التي بنيت عليها,بل عليك ان تعيش وتثبت مكانك كما لو انك في مسالة حياة او موت,وقد تجلى هذا كثيرا في الفيلم,ومن ذلك تلك اللقطة التي اندفع فيها ويل سميث مسرعا الى الحافلة دون ان يلقي بالا لدمية ابنه التي سقطت او حتى لتلك المراة التي اخذ مكانها اثناء الصعود.
سيناريو الفيلم كان لSteve Conrad   ,وهو اضا لم تكن له أعمال كبرى قبل هذا الفيلم باستثناء رجل الطقس لنيكولاس كيج,لكنه استطاع بناء توليفة مميزة من الحوارات,ومنها ذلك الحوار الجميل الذي دار بين ويل سميث وابنه حول الغابة وذلك حين كان يريد اقناع بالمبيت في المرحاض,او تقسيم الفيلم الى اجزاء,فهناك جزء الغباء وجزء الفقر وجزء الركض وجزء السعادة.
اعجبتني عدد من تعليقات القراء في الموقع العالمي imdb   بخصوص الفيلم فهناك من قال جد حلمك ثم اتبعه وهناك من قال بضرورة ان تاخد معك عائلتك لمشاهدة الفيلم وهناك من قال بان الدموع لا تزال في عيناه وهناك من تمتم بان هذا الفيلم يختزل عملية النجاح في الحياة.

خلاصة الامر,ان كنت فقيرا ولديك طموح فلا تترك الفقر يقتله,بل كافح كما كافح بطلنا,ولو بفردة حذاء واحدة,ولو ان تعطي قطرات دمك لكسب بعض الدراهم,ولو ان تقوم باي عمل حقير,ولو ان تنام في العراء,المهم ان تكافح واعلم في نهاية الامر ان لكل مجتهد نصيب وان النجاح سيكون حليفا لك يوما ما.

slumdog millionnaire

كان مقدرا له أن يصبح مليونيرا..


 ملحوظة هدا الموضوع شاركت به في المسابقة الوطنية في المغرب للنقاد السينمائيين الشباب وهده هي المرة الاولى والاخيرة طبعا التي انشره فيها على الانترنت,فالمرجو عدم النقل وقراءة ممتعة.

 ليست السينما مجرد أفلام نشاهدها بغرض المتعة ومن تم نرميها في بقاع النسيان,بل السينما تتعدى ذلك بمراحل لترحل بنا الى عوالم الإبداع ومحاكاة الحياة واستنبات رؤى وأفكار جديدة تستبق الواقع وتصور حال الذات الإنسانية وتبرز مدى قوة الصورة كتعبير عن الإبداع بأشكال جديدة.

لم يكن احد يدري أن"من سيربح المليون",البرنامج الذي اشتهر في العالم بأسره,وبثته اكبر القنوات العالمية بمختلف اللغات, سيصبح قالبا يبنى عليه واحد من أقوى الأفلام التي عرفها تاريخ السينما,ففي الوقت الذي طالما  اختزلنا فيه البرنامج كمجرد مسابقة تتكون من أسئلة للوصول إلى المليون,ظهر لنا "slumdog millionnaire " كفيلم استخدم البرنامج كأرضية للإبحار في عوالم المجتمع الهندي بكل تناقضاته و مشاكله,وللغوص في ماهية الإنسان الهندي المتأرجح بين حياة في الأزقة الفقيرة وبين حياة أخرى تتمظهر على شكل ناطحات السحاب ومراكز الاتصال.

"جمال" فتى يبلغ من العمر عشرون سنة أو اقل بقليل,يصل بشكل مفاجئ إلى السؤال الأخير الذي يخول له الفوز بعشر ون مليون روبية,أثناء البرنامج كشف عن انه لا يعرف لا القراءة ولا الكتابة,وانه مجرد نادل بسيط في احد مراكز الاتصال بمومباي,الشيء الذي دفع بمخرج البرنامج إلى إرسال "جمال"قسرا إلى الشرطة بعد انتهاء الجزء الأول من البرنامج(بين الجزء الأول والثاني كانت هناك فترة استراحة دامت يوما كاملا),وذلك كي يعرف إجابة ذلك السؤال المحير,كيف يمكن لفقير ملعون أن يصير مليونيرا؟سؤال تم طرحه على من يشاهد الفيلم أكثر مما تم طرحه على "جمال" أثناء التحقيق,فهل هو إنسان عبقري,غشاش,محظوظ,أم كان مقدرا له أن يربح المليون؟؟

الإجابة نجدها عندما ينتهي الفيلم,لقد كان مقدرا له ان يصير مليونيرا,ليس بمستواه التعليمي المنعدم والذي ظهر جليا من خلال استعانته بالجمهور في سؤال عن علم الهند, او بحظ نزل عليه من السماء,بل كتب عليه ان يربح المليون نتيجة تجاربه المرة التي عاشها وهو لم يتجاوز بعد عتبة العشرين,وهذا هو ما جعل الشرطة تخلي سبيله وتتركه يكمل الجزء الأخير من البرنامج,ففي كل سؤال من الأسئلة,كان "جمال" يستنجد بذاكرته ليجد الإجابة,بدءا بالسؤال الأول عن النجم الهندي اميتاب,مرورا بأسئلة عن الإله راما وعن شاعر هندي وعن مخترع المسدس وعن رئيس أمريكي وعن جسر في  لندن,وانتهاء بالسؤال الأخير عن اسم الجندي الثالث في رواية الكسندر توماس.هذه الأسئلة لم تكن موضوعة عبثا ففي كل سؤال نستشف عددا من الدلالات والرموز,وكمثال على ذلك فالسؤال عن ماذا يحمل الإله راما في يده اليمنى,بين على أن للهنود ارتباط بثقافتهم الدينية,عكس السؤال عن اسم ذلك الرئيس الأمريكي الذي توجد صورته في ورقة 100 دولار والذي بين أن هناك تأثيرا أمريكيا على الثقافة الهندية,كما أن السؤال الأخير عن الفارس الثالث   كان عودة لنقطة البداية,بداية المعاناة التي تكبدها فرسان الفيلم الثلاثة "جمال","لاتيكا" و "سليم" في زمن لا يعترف لا بحجم البطولة ولا بحجم الألم.
   

استنجاد"جمال" بذاكرته جعله يبين لنا بطريقة الفلاش باك عددا من الصور القاتمة التي يزخر بها الواقع الهندي والتي تحتار في أن تختار الأكثر سوداوية بينها, صور بينت البون الشاسع عن الهند الحقيقية وعن الهند التي نراها في السينما الهندية التجارية.

من تلك المشاهد,أسوق صور الاكتظاظ في المدارس الهندية,المراحيض التقليدية التي يؤجرها الأخوان "جمال" و"سليم" في غياب قنوات الصرف الصحي, الصراع بين الهندوس والمسلمين و الذي أودى بحياة أم الطفلين أثناء هجوم هندوسي على قرية تابعة للأقلية المسلمة ,العصابة التي تستغل الأطفال وتوظفهم للتسول عن طريق اقتلاع أعينيهم لكي يشفق عليهم المارة, دور الدعارة التي تحفل بها دول العالم الثالث والتي تتنوع فيها المشاهد بين رضع يبكون وقاصرات تفتض بكارتهن على يد كهول ,فتى صغير يقوم بجريمة قتل,السرقة في القطارات,وصراع الإخوة وافتراقهم بعد أن تيقنوا أن لكل منهم درب مختلف في الحياة وأن لكل منهم طبيعة تختلف عن الآخر.

غير أن هذه الصورة القاتمة عن المجتمع الهندي لا تلبث أن تتحول تدريجيا في الثلث الأخير من الفيلم,حيث نرى بلدا أخر تغزوه الثقافة الغربية,وذلك من خلال مراكز الاتصال التي تحتل حيزا هاما من الواقع الهندي, لعبة الكريكيت,وناطحات السحاب,لكن في كل مرة يذكرنا  المخرج بمشهد قوي على أننا لا نزال نرى بلدا من البلدان النامية,ومن هذه المشاهد نجد المشهد الأخير من الفيلم:"جمال" يصير مليونيرا وفي نفس الوقت يقتل أخاه على يد العصابة التي يتعامل معها.
وفي سياق آخر, يمكن أن نفهم ان الفيلم أراد أن يصور لنا أن الثقافة في الحياة لا تأتي بالضرورة من الكتب أو المعرفة أو المنصب الاجتماعي,بل تأتي أكثر من التجارب المرة التي تجعل من الإنسان يحفظ في ذاكرته عددا من الصور التي تحمل إجابات على عدد من التساؤلات الكبيرة للذات الإنسانية,وقد ذكرني الفيلم بمسيرة الكاتب المغربي الراحل محمد شكري الذي ذاق طعم المرارة قبل أن يتعلم الكتابة في عمر العشرين,فقسوة الحياة مثلت دائما دافعا قويا وراء النجاح.

«slumdog millionnaire »وان كان مخرجه بريطانيا,ودار إنتاجه أمريكية,واغلب ممثليه هنود ممن يحملون الجنسية البريطانية,إلا انه احتفظ بعدد من مقومات السينما الهندية,كقصة الحب القوية التي جمعت بين "جمال" و"لاتيكا",والجريمة المنظمة في دروب مومباي,وجرعة الحماس الزائدة في نهاية الفيلم(اقصد هنا مشهد ذهاب "جمال" إلى البرنامج وتشجيع السكان له),وأكثر من ذلك ظهر الفيلم بوليووديا بالموسيقى التصويرية المتميزة التي أبدع فيها الموسيقار الهندي A.R.Rahman ,فعلى غرار أعماله الكبرى ك"dil se "و"yuvvraaj ",قدم لنا في الفيلم مقاطع موسيقية متناسقة فيما بينها تحس عندما تسمعها أن هناك فيلم قصير آخر يختبئ وراء الموسيقى المصاحبة للأحداث,ومن هذه المقاطع نجد « latika thème »وذلك في تثمين للموسيقى الهندية التي أتحفت العالم بعدد من المقاطع الرائعة.
فيما يخص سيناريو الفيلم الذي كتبه   Simon Beaufoy  والذي اقتبس من الرواية الأصلية ل"Vicas swarup ", فقد اتسم بنوع من التناغم مع أحداث الفيلم, ونوع من التهجين اللغوي,فتارة يكون بالانجليزية وتارة بالهندية,لكن أكثر ما امتاز به نص الفيلم هو استعماله لتقنية الفلاش باك بنوع من الحرفية جمع فيها بين 3 أزمنة مختلفة:الحاضر المتمثل في غرفة التحقيق,الماضي القريب المتمثل في البرنامج,والماضي البعيد الممتد من لحظات الطفولة إلى اللحظات التي سبقت اشتراك الفتى في البرنامج, عبر هذه الخطوط الثلاثة المتداخلة بتقنية سرد مبتكرة تم الانتقال في الفيلم زمانيًّا ومكانيًّا برشاقة شديدة لم تخلق أي التباس في ذهن المشاهد.

أما الأداء التمثيلي في الفيلم,فالذي غلب عليه هو طابع  التلقائية والبساطة,وقد كان هذا العامل سببا رئيسيا في نجاح الفيلم,وكان هذا أجمل ما أخذه الفيلم من بوليوود التي تمتاز بصدق الأداء,فالأطفال الذين أدوا جزء الطفولة لا تحس أبدا أنهم بصدد أداء ادوار بل تراهم كما لو كانت هذه هي حياتهم الحقيقية,نفس الشيء ينطبق على من أدى ادوار المراهقة,ولعل الأداء الأروع في الفيلم هو ل"Dev Patel " الذي تقمص دور "جمال" بكثير من الحرفية والإتقان رغم انه لا يزال في بداية مشواره السينمائي.
                                       
من أكثر ما شدني في الفيلم,هو الإخراج المتميز ل"Danny Boyle ",إخراج أعاد للأذهان عددا من الأفلام المتميزة لهذا المخرج,والتي تناول فيها عددا من المواضيع التي يمهلها مخرجون آخرون,لأنك قد تجد في كثير من الأحيان ما تريده في النهر ولا تجده في البحر,والهند كبلد صناعي جديد في الخارطة العالمية, كان مكانا مميزا تتجلى داخله صور الحضارة الجديدة وصور التخلف الذي لم تندثر معالمه بعد,وقد تجلت عبقرية الإخراج في تحكمه في لحظات الفانتازيا والاندفاع العاطفي ببراعة,فقد كانت تفاصيل الفيلم لتبدوا كلها مجرد حظ ومصادفات لولا الإخراج المتميز الذي كيفها مع الفيلم وجعل ذهن المتلقي يتقبلها بل ويعيش معها ويراها كلحظات غارقة في الواقعية أكثر مما تغرق في الصدفة والخيال.


إخراج  Danny Boyle  لم يتوقف عند هذا الحد من الإبداع,بل تجاوزه ليبث في نفسية المشاهد نوعا من الأمل ومن التفاؤل بالمصير,فما دمنا نؤمن بما لدينا من إمكانات,وما دمنا نسلم بالمصير والقدر ونتكيف معه دون إغفال أحلامنا الصغيرة والكبيرة,فالأكيد أننا لم نخسر شيئا,والدليل على ذلك هو "جمال" الذي شارك في البرنامج من اجل أن يلتقي مرة أخرى برفيقة حياته "لاتيكا" أكثر مما رغب في الحصول على الملايين.


من كل هذا وذاك,لم يكن صدفة ان يترشح الفيلم لأكثر من جائزة عالمية,و أن يفوز ب8 اوسكارات,فإلى جانب جائزتي أفضل فيلم, وأفضل إخراج, حصد كاتب السيناريو أوسكار أفضل سيناريو أعد للسينما, كما حصد الفيلم أيضا جوائز أوسكار لأفضل تصوير وأفضل مؤثرات صوتية وأفضل مونتاج وأفضل موسيقى تصويرية، وأفضل أغنية,وان يأخذ اكبر تقييم في موقعIMDB ,فرغم أن الفيلم صور بميزانية محدودة لم تتجاوز 10 ملايين دولار,ورغم أن اغلب ممثليه مغمورين,ورغم أن كبريات شركات الإنتاج رفضت في بادئ الأمر إنتاج الفيلم لكونه ليس بتلك النوعية التجارية.إلا انه أعطى رسائل قوية لجماهير السينما العالمية,لان مثل هذه النوعية من الأفلام تجعلك لا تكتفي بمشاهدة واحدة,وتحيي في إحساسك الباطني عددا من الأسئلة حول واقعنا,وتلهم عقلك بعدد من الصور الجميلة الممتدة بين الموسيقى التصويرية والأداء وطرق تحرك الكاميرا,فباختصار  Slumdog Millionnaire  يجعلك ترفع له القبعة.
                            
ختاما لا يسعني أن أقول إلا أن تكونوا مستعدون,إخواني عشاق السينما للتشويق,لقصة حب أسطورية,لخليط من المشاعر الإنسانية,لعدد من الوقائع المرة,لجمالية الصورة,فهذا الفيلم ليس من طينة الأفلام التي نمر عليها مرور الكرام,أو التي نغط في نوم عميق بعد مشاهدتها,بل هو من تلك الجينة من الإبداعات التي تبقى في ذاكرة كل عاشق للفن السابع.