السبت، 11 شتنبر 2010

gangster

قصة حب من عالم آخر ..

أتذكر جيدا أنني عندما علمت بنتائج مسابقة filmfare  لسنة 2006 انه قد أصابني نوع من الامتعاض عندما علمت ان بوليوود نحت جانب تفضيليا في أبعاد الأسماء والميزانية وليس أبعاد الإبداع والتجديد,وكأن السينما الهندية تصر في بعض الأحيان على التنكر لحقيقة أن الأجدر بالفوز هو الذي قدم العمل الأجدر طوال السنة...
لذلك ارى ان فيلم gangster  يبقى واحدا من أكثر الأفلام المظلومة لسنة 2006 رغم انه لاقى نجاحا جماهيريا ملفتا ورغم انه قدم إبداعا جديدا على بوليوود ورغم ان مخرج الفيلم anurag basu  قدم هنا واحدا من أهم الأفلام الهندية التي مرت في تاريخ السينما الهندية.
صراحة لم تجرني عواطفي لقول هذا الحكم على هذا الفيلم,فانا أعيد الفيلم أكثر من مرة كي انزع عن نفسي ذلك الانبهار بالصورة الذي قد تخلفه المشاهدة الأولى,لكن هذا الفيلم يأبى ان يحجب عني هذا الانبهار,فأحس صراحة كأنني أشاهد the god father  او Casablanca  وغيرها من الأفلام التي ستبقى عالقة في اذهان كل عشاق السينما,لان التجربة الغنية التي يقدمها لك anurag basu  في فيلمه تتعدى تجربة المتعة وتجعلك تفكر في عدد من الدلالات التي يزخر بها عالمنا والذي يتأرجح بين الخير والشر وبين الحب والحقد.
لذلك أرى ان وصف "قصة حب أخرى" جدير بوصف أحداث هذا الفيلم المميز,ولانني ليست من عادتي ان احكي قصة فيلم على اعتبار أن هذا الأمر موكول لكاتب السيناريو-أيضا كي لا أضيع عنكم فرصة متابعة الفيلم-فإنني سأكتفي بالقول أن الفيلم هو قصة حب بين فتاة ورجلين,احدهما مجرم قضت معه عددا من سنوات حياتها,والأخر موسيقي يحاول أن يجرها من عوالم السواد,ليبدأ معها حياة جديدة,في هذه الثلاثية يكتشف المتفرج نفسه وهو بين أسوار حياة ملؤها النفاق والكذب والبهتان,حياة تقدم لك الطالح على انه صالح فتفتن به وبكلماته المنمقة,وتقدم لك الصالح على انه طالح بعدما تحكمت فيه ظروف قاسية جعلته ينسى شيئا اسمه الفرح.
الفيلم كان من أداء الممثلة الصاعدة kangana ranaut   التي قدمت في أول أفلامها شخصية متناقضة تخشى من الفرح نتيجة تجاربها الشخصية المعقدة ,فبين فتاة المرقص والزوجة الهاربة والأم الموجوعة والعاشقة الهاربة من أسوار المجتمع,نجحت هذه الممثلة (كانت تبلغ في سنة 2006 فقط 19 سنة) في تحقيق صفات شخصية مركبة مما جعل منها ربحا جديدا لبوليوود, الممثل الثاني كان  emraan hashmi الذي استطاع تقديم ذلك الموسيقي بكل ما يحمله دوره من هدوء وتماسك قبل ان يقدم لنا حقيقته التي أذهلت كل المتلقين,اما نجم الفيلم فهو بكل تأكيد   shiney ahuja الذي قدم لنا دور المجرم بكل احترافية وبكل تقمص ممكن,فتراك تحس بألمه وكلمات عيونه ورغبته في إسعاد زوجته, shiney ahuja   قدم في هذا الفيلم درسا لكل عشاق السينما وهو أن الممثل لا يكون بالكلام فقط والحوارات الممتلئة وإنما يكون أكثر بالملامح وبقوة الشخصية وبالكاريزما,وللأسف فقليل من ممثلي بوليوود من يفهم هذا,وتراك تجد أن اغلب الممثلين الهنود يكثرون من الحوارات التي تفقد للدور بريقه.
مخرج الفيلم لم يجعل من فيلمه ميلودراما هندية تصل إلى 3 ساعات,بل جعل الفيلم مختزلا حتى في وقته,وربها هذه عادة شركة إنتاج   bhatt التي تجعل من وقت الفيلم محدودا,واعتقد ان هذا العامل كان مؤثرا في عملية نجاح الفيلم لأننا لا نتحرك قيد أنملة أثناء مشاهدة الفيلم,إضافة إلى عمل الصورة في الفيلم والتي استعمرها اللون الأزرق المغلف لأحداث الفيلم والذي يشبه نوعا من الحلم كما لو المخرج يحاول المزج بين عالم واقعي اسود وعالم رومانسي لا يوجد إلا في الأحلام,زيادة على أن السيناريو والحوارات كانت في المستوى الراقي,وكمثال على ذلك فحوارات kangana ranaut   كان بها نوع من النضوج ونوع من السخرية من الواقع عكس حوارات emraan hashmi  الذي اتسمت بالرومانسية والكلام الهادئ.
فضلا عن ذلك استطاع الفيلم في موقف مثير أن يجمع بين الاكشن و الدراما من جهة وبين الرومانسية من جهة أخرى,فالاكشن قدم باحترافية عالية وليس كعدد من الأفلام الهندية التي تضحك سخرية منها عندما ترى مشاهدها الحركية,اقول هذا الكلام على اعتبار ان كل اللقطات الحركية في الفيلم كانت واقعية إلى حد بعيد وزاد من جماليتها عدم كثرتها في الفيلم وكأنها تفسح المجال للرومانسية وللدراما بالتمثل في الفيلم,فالدراما كانت حاضرة من خلال الرومانسية,والرومانسية كانت حاضرة من خلال الدراما,لان مشاهد هاتين الثيمتين كانتا تكملان بعضهما في الفيلم,حتى يصير مستحيلا على المشاهد العادي ان يفرق بين الدراما والرومانسية في الفيلم اللهم من مشهد وحيد هو أغنية التي قدم لنا فيها المخرج لوحة رومانسية قلما تتكرر في الهند.
وبحديثنا عن الموسيقى,لا يفوتني أن اذكر بان البوم الفيلم يعتبر من أحسن الألبومات التي أنتجت سنة 2006 ,أغاني في المستوى والحان تدلف الى أعماق الروح,واعتقد ان الثيمة المهيمنة على الموسيقى كانت ثيمة الحزن فمن أصل 5 أغنيات في الفيلم فقط أغنيتان من تمتلكان إيقاع الفرحة,أما الثلاثة المتبقية فقد نجح المخرج الموسيقي في مزجها مع ايقاع الفيلم الحزين والمليء بالأحداث الإنسانية الكثيفة,لذلك أتمنى من كل عاشق للموسيقى الهندية أن يستمع لهذا الألبوم واعده انه لن يندم على ذلك.
مشاهد الفيلم مؤثرة للغاية لكنني أسوق منها مشهد إلقاء القبض على المجرم وهو بين ذراعي زوجته,مشهد بالتأكيد سيبقى عالقا في ذاكرة كل عاشق للسينما,فطريقة تحرك الكاميرا وضبطها للفضاء وللزمان,وأداء الممثلين والموسيقى التصويرية كلها عوامل جعلت من هذا المشهد مؤثرا,فمن الصعب على أي كان كف دموعه وهو يسمع صرخة المجرم التي تعاتب هذا العالم على خذلانه..
صراحة الحديث يطول ويطول عن رائعة gangster ,فانا أرى أن الفيلم يحقق إشباعا سينمائيا فريدا من نوعه,ويصيب المتلقي بما اسميه صدمة الإبداع,ففي الفيلم ستكتشف ان الشر قد يلبس قناع الخير والعكس صحيح,وذلك في تصوير لواقع مرير نعيشه على الأصعدة, فتحولت الحياة عندنا الى ما يشبه مطاردة حقيقية بين المبادئ وبين تراكمات النفاق والبهتان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق