كافح من اجل حلمك..
منذ مدة وانا ابحث عن فيلم هوليودي يترك في اعماقي ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه عندما تشاهد إبداعا ما,وبالصدفة شاهدت قبل ايام هذا الفيلم المتميز لويل سميث,فأدركت فعلا انني كدت امنع نفسي من مشاهدة هذه الرائعة الذي أنتجت سنة 2006.
البحث عن السعادة يشغل كل واحد منا,وربما أن البعض منا تحول هذا إلى هم حياته الاول,من هذا المنطلق اتى مخرج الفيلم Gabriele Muccino بهذه الفكرة الاجتماعية التي تؤرق بال الكثيرين وبدل الخوص في متاهات اجتماعية عميقة,انطلق المخرج من بساطة الفكرة ومن تلقائيتها,لكن هذه البساطة تظهر عميقة من خلال الاشتغال عليها في الفيلم وحتى دلالاتها على ارض الواقع,فالبحث عن السعادة قد يعرفه البعض ببضعة كلمات لكن في الحقيقة قد تاخذ منك السعادة لتحقيقها عمرا كاملا او اكثر...
جمالية الفيلم انطلقت من الفكرة وتجسدت اكثر بالقصة,حيث نرى إنسانا عاديا متزوجا يقوم ببيع الآلات الطبية,شخص تكالبت عليه المحن المادية من كل جانب,فهو مطالب بادا ء أجرة الكراء ودفع فواتير تعليم ابنه بالإضافة الى فواتير اخرى رغم ان تجارته ضعيفة الى درجة ان زوجته ستهجره بعدما تيقنت أن زوجها معدم ماليا ولا يستطيع الانفاق على الأسرة,وفي خضم هذه الدوامة من المشاكل,ينجح الزوج في العثور على تدريب لمدة 6 اشهر في احد مراكز البورصة لتأهيله للعمل,واثناء هذه الاشهر الست,يذوق كل أنواع المرارة بدءا بعدم لقيانه لمسكن يقيه هو وابنه الوحيد,مرورا بعدم نجاعة تجارته البسيطة زيادة على مشاكل اخرى جعلت منه يعيش في العراء حتى استطاع في نهاية المطاف ان ينجح في اختبار التدريب ويحقق حلمه بالعثور على عمل قار.
قصة الفيلم لا تمر فقط بطريقة متسلسلة ودرامية بل تجرك الى أعماق الشخصيات خاصة شخصية البطل التي اداها ويل سميث بكل احترافية,ففي كثير من المشاهد تود لو تذرف الدمع إشفاقا منك على هذا الرجل الغير المحظوظ,خاصة في مشهد مبيته هو وابنه في المرحاض,او مشهد إضاعته لفردة حذاءه,او مشهد حبسه في السجن,وفي كل لقطة من الفيلم الا وتحس ان هذا الشخص قد اكتوى بما يكفي من نار الفقر وان على القدر ان يجد نهاية لآلامه,عدد من المشاهد المؤثرة في الفيلم ستبقى دون شك في ذاكرة كل عاشق للسينما,ففي عز الألم والتمزق,يقول ويل سميث لابنه بان عليه المضي قدما في تحقيق احلامه دون الاكتراث لما يقوله الاخرون,وكاني بالمخرج يقول للمشاهد ان لا شيء يأتي بالنوم وان العمل الجاد يوصل صاحبه الى النجاح مهما بلغت قساوة الظرف وصعوبتها.
مخرج الفيلم الايطالي Gabriele Muccino يعتبر هذا اول افلامه في هوليوود, وكم كانت تجربة ناجحة جعلته يكتب اسمه بذهب في تاريخ السينما العالمية,فهو في الفيلم لم يجعل الاحداث تتشابك ولم يستدعي كما من القصص او الشخوص,فقد اكتفى بقصة وحيدة هي قصة هذا الرجل مع الكفاح,واستطاع ان يبينها بطريقة السهل الممتنع,فالفيلم موجه للجميع, لكنه ليس بذلك الفيلم التجاري المحض بل هو فيلم على الجميع ان يشاهده سواء اكنت ناجحا في حياتك ام ولا ,سواء كنت رجلا او طفلا,فقيرا ام غنيا,الجميع عليه مشاهدة هذا الفيلم التعليمي الاجتماعي,وهذا بالضبط هو الانجاز الذي استطاع هذا المخرج تحقيقه,فمن الصعب ان تنتج عملا يراه الجميع بجميع التطلعات وبنفس التاثير.
من الامور الرائعة في الفيلم هو أداء ويل سميث,هذا الممثل المميز الذي يستطيع القيام بكل الأدوار والذي يستطيع إبداع عدد من المهمات الصعبة,فعندما تراه في افلام اخرى كالصبية المشاكسون تقول انه ممثل كوميدي فقط,لكن هنا ينجح في تقديم شخصية ذلك الانسان البسيط الذي ينظر الى الحياة ببساطة دون تعقيد رغم ان الحياة تعاكسه,فلا اعتقد ان أحدا أخر لو كان في مكانه سيقوم بمثل هذا التقمص لهذه الشخصية المركبة بكل انفعالاتها وبكل انكساراتها,وزاد من تألق ويل سميث ذلك الصبي الذي يشاركه دور البطولة,فالبراءة التي قدمها هذا الطفل جعلت منه مشاركا فعليا في عملية الإبداع التي خطها مخرج الفيلم.
ان الواقعية في الطرح السينمائي لها من التميز والدلالات ما يجعلها عنصرا لا محيد عنه في السينما بشكل عام,واعتقد ان هذا المخرج الايطالي يعشق ان يتكلم عن الواقع,ليس بداعي الثرثرة او حتى تبيان الجوانب السيئة التي يعج بها واقعنا,بل بخلط عناصر التجربة السينمائية الواقعية ففي الفيلم شاهدنا شظف العيش وصعوبة اثبات الذات في بلد كأمريكا,لكن رأينا في نهاية الامر كيف تحول الحلم الى حقيقية وتحولت المعاناة إلى فرحة,وربما ان المخرج يعاتب الولايات المتحدة على رأسماليتها المتوحشة والتي جعلت عددا من المهن الصغيرة تندثر او تنمحي,فان أردت ان تعيش في بلد كامريكا,فعليك ان لا تعطي اهمية كبرى للقيم التي بنيت عليها,بل عليك ان تعيش وتثبت مكانك كما لو انك في مسالة حياة او موت,وقد تجلى هذا كثيرا في الفيلم,ومن ذلك تلك اللقطة التي اندفع فيها ويل سميث مسرعا الى الحافلة دون ان يلقي بالا لدمية ابنه التي سقطت او حتى لتلك المراة التي اخذ مكانها اثناء الصعود.
سيناريو الفيلم كان لSteve Conrad ,وهو اضا لم تكن له أعمال كبرى قبل هذا الفيلم باستثناء رجل الطقس لنيكولاس كيج,لكنه استطاع بناء توليفة مميزة من الحوارات,ومنها ذلك الحوار الجميل الذي دار بين ويل سميث وابنه حول الغابة وذلك حين كان يريد اقناع بالمبيت في المرحاض,او تقسيم الفيلم الى اجزاء,فهناك جزء الغباء وجزء الفقر وجزء الركض وجزء السعادة.
اعجبتني عدد من تعليقات القراء في الموقع العالمي imdb بخصوص الفيلم فهناك من قال جد حلمك ثم اتبعه وهناك من قال بضرورة ان تاخد معك عائلتك لمشاهدة الفيلم وهناك من قال بان الدموع لا تزال في عيناه وهناك من تمتم بان هذا الفيلم يختزل عملية النجاح في الحياة.
خلاصة الامر,ان كنت فقيرا ولديك طموح فلا تترك الفقر يقتله,بل كافح كما كافح بطلنا,ولو بفردة حذاء واحدة,ولو ان تعطي قطرات دمك لكسب بعض الدراهم,ولو ان تقوم باي عمل حقير,ولو ان تنام في العراء,المهم ان تكافح واعلم في نهاية الامر ان لكل مجتهد نصيب وان النجاح سيكون حليفا لك يوما ما.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق