السبت، 11 شتنبر 2010

swades

  
نداء للعودة الى الوطن


صراحة لم يكن من عادتي ان اشاهد الأفلام الاجتماعية او الافلام التي لا تحتوي على ذلك التشويق وتلك الفانتازيا التي ربتنا عليها السينما الهندية,فقد تعودت على نوع من الافلام يتسم بكم من الميلودراما الى درجة انني نسيت ان هناك انواعا اخرى من الافلام ارقى وأحسن بكثير من الجرعات الدرامية التي اشاهدها دوما.

 لذلك كانت مشاهدتي لفيلم swades استثناءا,لكنه لم يكن بذلك الاستثناء الذي ندمت على قضائي 3 ساعات برفقته,بل كان ذلك الاستثناء الجميل والرائع الذي جعلني اندم بالأحرى على عدم متابعتي لهذا النوع من الافلام ,ف"الوطن" ليس أبدا بالفيلم العادي او الفيلم الذي تمر عليه مرور الكرام,بل هو واحد من أفضل الأفلام في تاريخ السينما الهندية,فيلم جمع بين عدد من المقومات التي لن تجدها الا في افلام قليلة,وهو بهذا استحق مني العلامة الكاملة.

ان مخرج الفيلم هو نفسه الذي اخرج رائعة امير خان lagaan ,وكم كان جميلا ان يعيد نفس الكرة مع ممثل اخر متميز كشاروخان,هنا قد يقول البعض ان فيلم امير خان قد فاز بجائزة أحسن فيلم عكس swades الذي كان حظه من الجوائز نادرا,لكن دعوني اقول لكم ان السحر الذي وجدته في swades لم اجده صراحة في lagaan    ,ففيلم شاروخان احتوى على نوع من الصراحة الفظة التي قلما نجدها في غيره,هذه الصراحة تجلت في ابتعاد المخرج عن ابعاد السينما التجارية بما فيها من سيارات وقصات شعر ورقص وغناء,واستبدلها بابعاد السينما الواقعية,حيث نرى شاروخان يعاتب اخوته الهنود على تخلفهم وعلى تشبتهم بتقاليد بالية لا تقوم سوى بتخريب العقول,كما نرى ذلك البون الشاسع بين العالم المتقدم التي تمثله امريكا بتكنولوجيتها المتقدمة والعالم المتخلف الذي تمثله الهند بتقاليدها البالية,لكن هذا البعد لم يتسم بالإجحاف,وذلك كون المخرج اضفى نوعا من التوازن على العالم الهندي فمقابل التخلف,كانت هناك الحميمية والعلاقات المتينة وربما هذا هو نقطة الفصل التي جعلت من الهند بلدا قابلا للتطور.

ان الفيلم ينطلق من حقيقة راسخة وواقعية الى ابعد الحدود,وهي انه ان أردت ان تطور ذاتك وان تكون كالآخرين,فعليك ان تعترف بأخطائك وهفواتك وان تطمح ان تكون كمن هم أحسن منك,وليس التقوقع على الذات والتوهم بانك أحسن من الآخرين الا مرضا يجعلك تبقى في مكانك دون أي تغير,وهذا هو بالضبط ما قدمه شاروخان في الفيلم,حيث قرر ان يساهم في التغيير,ففي الوقت الذي يعمل فيه في أمريكا كمدير مشروع فضاء,قضى ايامه في قريته محاولا فقط ان ينير مصباحا واحدا,وهذا هو بيت القصيد الذي يبين على ان الكل عليه الانخراط في التغيير سواء داخل او خارج الوطن,سواء بإمكانات محدودة او كبيرة.

الفيلم احتوى على عدد من الحقائق المرة التي يحفل بها المجتمع الهندي,فمشهد الطفل الذي يبيع الماء في الطرقات- والذي كان سببا في تذوق شاروخان لماء الهند بعدما كان يشرب فقط الماء المحفظ-ومشهد ذلك المزارع الذي لا يجد قوت يومه,ومشهد الاطفال الذين تركو دراستهم ليلتحقوا بالعمل,كلها صور توضح بالملموس ان هناك عملا كبيرا ينتظر الهند فيهما يخص التنمية البشرية,كما دل مشهد   خلو المدرسة من الاطفال على كون أن التقدم لا يكون الا بتوفير التمدرس,وما مثال شاروخان وتلك الفتاة التي تشاطره دور البطولة الا مثال حي على ان المتعلم هو اكثر من ينفع بلاده.

ربما ان قرار شاروخان بالعودة الى بلاده والتضحية بمنصبه بوكالة الفضاء الامريكية قد يبدو قاسيا وصعبا,لكنه في النهاية كان هو القرار الصائب,فاين هي الوطنية ان تركت ابناء قومك يحتاجونك وتذهب لتساعد غيرك؟اين هي الوطنية ان لم تكن بالعمل الحقيقي دون كلل على تغيير العادات السيئة ومحاولة استشراف حلول جديدة,فالوطنية ليست هي ان تنتقد الحكومة دائما وتجعلها شماعة تعلق فيها اخطاء المجتمع,بل الوطنية هي ان تقوم بكل ما في استطاعتك للتغيير عملا بالمثل القائل"ان تنير شمعة خير من ان تلعن الظلام"..

الفيلم احتوى على قصة حب اتسمت بالهدوء والنضج كباقي اجزاء الفيلم,لكنها لم تكن بتلك القوة في التأثير على الاحداث,لكون المخرج يعول اكثر على ثيمة الوطنية اكثر من ثيمة الحب,وما هذه القصة القصيرة الا كاستراحة فنية يلجا اليها المشاهد ليخفف من قوة المشاهد الكبرى في الفيلم التي تتمحور حول الذات وعلاقتها بالأخر.

فنيا,الفيلم كان متميزا بحواراته القوية وبالسيناريو المتقن,كما ان أداء جميع ابطال الفيلم كان في المستوى خاصة شاروخان الذي قدم هنا شخصية جديدة بعيدة عن الشخصية الرومانسية التي طالما اتسم بها,فقد قدم هنا شخصية واقعية بكل تناقضاتها وبكل خصالها,دون ان يفوتني التذكير ان موسيقى الفيلم كانت متميزة وخاصة الأغنية الأخيرة الذي تدعوا للعودة الى الوطن.

خلاصة الامر swades فيلم يستحق المشاهدة لاكثر من مرة,فعلى الاقل هنا سوف تجد فيلما يبحر بك نحو عوالم المجتمع الهندي وليس كمثل تلك الافلام التجارية التي تنساها بمجرد انتهاء مدة عرضها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق